لو مشت مصر نحو “مكة” شِبراً..

المصدر : مدونة محمود عبدالغني صباغ

كانت العلاقة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والمملكة المصرية مقطوعة على إثر حادثة المحمل الشهيرة. وكانت هواجس الملك فؤاد الأول بحمل لقب “الخلافة الإسلامية” تُحرّضه على إطالة الجفوة مع  ابن سعود، وتعليق الاعتراف بكيانه الجديد. ولم تنجح كل المحاولات التي بذلها حافظ وهبة، وزير الملك عبدالعزيز، لتقريب وجهات النظر، ولا الوساطات التي قام بها من الطرف المصري الشيخ الظواهري والشيخ المراغي.

وما كان للعلاقات بين قصر عابدين، وقصر السقاف.. أن تستمر على حالها الضامر.. ومع عام 1933م، أوعز الجانب المصري الى الزعيم الاقتصادي المصري الأسطوري طلعت حرب باشا بزيارة عاصمة السعودية؛ مكة، ليجتمع بملكها وحكومتها، وينظر في أمر استئناف التمثيل الدبلوماسي.

جاء طلعت باشا حرب، الى مكة، على رأس وفد اقتصادي رفيع، محمولاً بحزمة مشاريع اقتصادية وتنموية، منها إنشاء فندق حديث في مكة، والشروع في افتتاح خط طيران تجاري بين القاهرة وجدة، وافتتاح بنك في مكة يحمل اسم بنك مصر فرعاً للبنك المصري الشهير.

هبطت طائرة الوفد المصري، في أول طيارة كان يقودها الطيّار محمد صدقي، في جدة على أرض فضاء أمام بحر الأربعين.. وأُستقبل الزعيم الإقتصادي الشهير، في احتفالات بروتوكولية حضرها جلالة الملك عبدالعزيز ونائبه بالحجاز الأمير فيصل، ومعالي الشيخ عبد الله السليمان الوزير الأول.. وفي ذلك الحفل، ومن دون أي ترتيب مسبق، تسللّ أحد شبّان مدارس الفلاح، وأصرّ على إلقاء قصيدة بين يدي رئيس الوفد المصري.. وما أن صُرّح له، حتى ألقاها بحماسة شديدة، مبدداً لحظات الوجوم والفتور التي تلبست الحشد.. يقول:

يا حمام الحِمَى تغنَّ بشعري

في رُبى الروض بكرةً وأصيلا

وارفع الصوت حين تسجع حتى ..

يرد الصوت دِجلة والنيلا

علّ مِصراً تُصغي فتسمع ماذا

في ربوع الحجاز أمسى مقيلاً

الى أن يقول :

لو مشت مصر نحو “مكة” شِبراً

لمشت “مكةٌ” إلى مصر ميلا

ما أن فرغ من الإلقاء حتى ارتجَّت القاعة بالتصفيق.. لم يكن ذلك الشاب، سوى عبدالله بلخير، أحد طلائع الأدب الحديث في الحجاز، الذي سيستحيل فيما بعد الشاعر العروبي الكبير، وأول وزير اعلام بالعهد السعودي.. كان بلخير يُعبّر في عفويته عن موقف تاريخي وثيق بين شعبين لم يُفرّق بينهما، سوى البحر الأحمر، الذي يجري بينهما كالنبأ العظيم!
وليس غريباً أن يُبادر القطر المصري، بحزمة اصلاحات اقتصادية معرفية تقصد تحديث بنية الإقتصاد السعودي التقليدي حينها.. ذلك امتداد لدور تاريخي أدته مصر بشئ من الإتقان والإيمان والتقليد الراسخ منذ بواكير العهد الفاطمي، في رفد الحجاز بالأوقاف المحبوسة على خدمة مرافق الحرمين وعلى الفقراء من أهاليه، وفي احياء جذوة المعارف.
كان وقف الدشيشة الكبرى، أكبر الأوقاف المصرية على الفقراء من أهالي الحجاز، قد وصل ريعه في القرن الثامن عشر الميلادي الى سبعة عشر ألف أردب من الغلال، وكان يدير الوقف سنة 1741م من الأموال النقديّة ما يزيد عن المليون وربع المليون بارة – جاعلاً منه أكبر مؤسسة اقتصادية يصرف من ريعها حصراً على الشئون الاجتماعية على الأهالي، والمرضى، والأموات، وعلى الشؤون العلمية، كالنفقات والمرتبات التي تؤمن حاجة الطلاب، والمُدرسين، والمعاونين، وفي شراء أدوات التدريس.
وقد أحصى الدكتور محمد فهمي بيومي في دراسته دور مصر في الحياة العلمية في الحجاز، ثلاثين وقفاً مصرياً بالحجاز في العهد العثماني، يقوم عليها اما مؤسسات أو عائلات أو أفراد، ويُصرف ريعها على الشئون العلمية والتنموية والخيرية في الحجاز.
وكانت الإدارة المصرية تنفق على وظائف الحرمين الشريفين تحت بند وظائف سنويات مكة المكرمة منذ القرن السابع عشر – ولم تكن الادارة المصرية تُفرّق في توزيع عوائدها بين امام أو خطيب مصري، أو حجازي، أو شامي، أو مغربي. كما خُصصت صُرة جوالي أخرى للمفتين الرسميين في الحجاز تحت بند براي وظائف حرم شريف مكة المكرمة وبراي وظائف حرم شريف المدينة المنورة.
وكانت كسوة الكعبة التي تُصنع بمصانع الخرنفش، تصل الى مكة في احتفال سنوي مهيب، برفقة أمير الحج المصري وقوّة المحمل العسكرية – مرفقة معه صُرّة المحمل التي تشمل مرتبات رجال المحمل لثلاث أشهر، ومرتب أمير مكة والمُقدّر لأشرافها وللعُربان ولتكيّتي مكة والمدينة المنورة.

ما أن فرغ من الإلقاء حتى ارتجَّت القاعة بالتصفيق.. لم يكن ذلك الشاب، سوى عبدالله بلخير، أحد طلائع الأدب الحديث في الحجاز، الذي سيستحيل فيما بعد الشاعر العروبي الكبير، وأول وزير اعلام بالعهد السعودي.. كان بلخير يُعبّر في عفويته عن موقف تاريخي وثيق بين شعبين لم يُفرّق بينهما، سوى البحر الأحمر، الذي يجري بينهما كالنبأ العظيم!

وليس غريباً أن يُبادر القطر المصري، بحزمة اصلاحات اقتصادية معرفية تقصد تحديث بنية الإقتصاد السعودي التقليدي حينها.. ذلك امتداد لدور تاريخي أدته مصر بشئ من الإتقان والإيمان والتقليد الراسخ منذ بواكير العهد الفاطمي، في رفد الحجاز بالأوقاف المحبوسة على خدمة مرافق الحرمين وعلى الفقراء من أهاليه، وفي احياء جذوة المعارف.

كان وقف الدشيشة الكبرى، أكبر الأوقاف المصرية على الفقراء من أهالي الحجاز، قد وصل ريعه في القرن الثامن عشر الميلادي الى سبعة عشر ألف أردب من الغلال، وكان يدير الوقف سنة 1741م من الأموال النقديّة ما يزيد عن المليون وربع المليون بارة – جاعلاً منه أكبر مؤسسة اقتصادية يصرف من ريعها حصراً على الشئون الاجتماعية على الأهالي، والمرضى، والأموات، وعلى الشؤون العلمية، كالنفقات والمرتبات التي تؤمن حاجة الطلاب، والمُدرسين، والمعاونين، وفي شراء أدوات التدريس.

وقد أحصى الدكتور محمد فهمي بيومي في دراسته دور مصر في الحياة العلمية في الحجاز، ثلاثين وقفاً مصرياً بالحجاز في العهد العثماني، يقوم عليها اما مؤسسات أو عائلات أو أفراد، ويُصرف ريعها على الشئون العلمية والتنموية والخيرية في الحجاز.

وكانت الإدارة المصرية تنفق على وظائف الحرمين الشريفين تحت بند وظائف سنويات مكة المكرمة منذ القرن السابع عشر – ولم تكن الادارة المصرية تُفرّق في توزيع عوائدها بين امام أو خطيب مصري، أو حجازي، أو شامي، أو مغربي. كما خُصصت صُرة جوالي أخرى للمفتين الرسميين في الحجاز تحت بند براي وظائف حرم شريف مكة المكرمة وبراي وظائف حرم شريف المدينة المنورة.

وكانت كسوة الكعبة التي تُصنع بمصانع الخرنفش، تصل الى مكة في احتفال سنوي مهيب، برفقة أمير الحج المصري وقوّة المحمل العسكرية – مرفقة معه صُرّة المحمل التي تشمل مرتبات رجال المحمل لثلاث أشهر، ومرتب أمير مكة والمُقدّر لأشرافها وللعُربان ولتكيّتي مكة والمدينة المنورة.

 

ويعود مرفق التكيّة المصرية الشهير في مكة الى محمد علي باشا رأس الأسرة الخديوية الذي أسسها في عام 1833م – مثلما ظل منقوشاً بدائرة القبة التي كانت تتوسط معمارها الأنيق.

كانت التكيّة تقع بشارع جياد المركزي، ببناء أنيق تتوسطه بركة ماء صناعية تتدلى منها حنفيات للشرب والوضوء، يعود اليها الفقراء في الصباح والمساء لتناول رغيفين من الخبز وشيئاً من الشربة. ويذكر ابراهيم رفعت باشا، في مرآة الحرمين (1901م) ان ما يصرف يومياً من الخبز كان يقارب 400 أقة، و150 أقة من الرز، وفي يوم الخميس تزداد قيمة الرز الى 420 أقة، ويصرف في هذا اليوم فقط مائة أقة من اللحم، وفي كل أيام رمضان يكون المرتب كمرتب يوم الخميس ويزيد.

ذلك تاريخ عريض من المبادرات الإقتصادية والوقفية الخلاّقة، التي وان خَفت وتوارى دفقها، لا يمكن أن يُمحى عن الوجدان والذاكرة الجمعية لأهالي المنطقة.

مصر تحمي الحجاز من البرتغاليين، والحجاز عن بكرة أبيه يهبّ لنجدتها في الحملة الفرنسية :

ليس من المصادفة أن يتشابك المصير الإستراتيجي، وهاجس الاستقرار الأمني بين مصر والجزيرة العربية. فالمصالح الاقتصادية والروحية، وحركة التجارة والملاحة، وتدفقات السلع والمال والبشر والأفكار، وروابط الدم ووشائج القربى – كلها تصب في قناة وحدة المصير المُشترك.

ومع بروز أهمية ميناء جدة الإستراتيجي في السيطرة على حركة التجارة والملاحة بالبحر الأحمر مطلع القرن السادس عشر، ازدادت أطماع البرتغاليين في السيطرة عليها. وأمر السلطان قانصوه الغوري قائده حسين الكردي ببناء سور ضخم يلتف حول جدة، بدا بعيد الانتهاء من بنائه قوياً بأبراجه الستة وقلعته الحصينة – وكان بالفعل الصخرة التي تحطمت عليها آمال البرتغاليين. كانت القلعة تتبع في تنظيمها الداخلي قلاع مصر، في تقسيمها الى مجموعة من البلكات، وفي تناوب رجال مردان وطوبجيّان عليها. كانوا جنود هذه القلعة يتقاضون رواتبهم النقدية من مصر، اضافة الى مبالغ مقطوعة من دخل جمرك جدة، ومقطوعات من الخزينة المصرية كبدل انتقال وطعام.

وفي أغسطس 1789م، سيصيب نبأ استيلاء الفرنسيين على مصر أبناء الجزيرة العربية بصدمة كبيرة.. حتى أن المؤرخ والشاعر النجدي محمد بن عمر الفاخري (1772م-1860م) قال في الأخبار النجديّة:

يالهف نفسي لما قد جرى .. توالى الخطوب على القاهرة

تولى الفرنج بها بغتة .. وحلّو منازلها العامرة

لكنا نرجو بفضل الكريم .. تعادلهم كرّة خاسرة

كان نابليون قد أمر قائده ديزيه ومعه فيلق عسكري بمواصلة زحفهم باتجاه الصعيد المصري لمطاردة مُراد بك، الذي كان قد استنجد بالشريف غالب (شريف مكة) يطلب منه المعونة على الحرب ضد الفرنسيين، كما كتب الى حاكم وأهالي ينبع يستنفرهم للجهاد وانتشال مصر من براثن الإستعمار.

وأعلن إمام الحرم المكي، الشيخ محمد المغربي، الجهاد ضد الفرنسيين..فالتف حوله خلائق، ومتطوعون، حتى النساء اشتركن بالقاء مصاغهن في سبيل تحرير مصر.

وكان أول من دق طبول الحرب على الفرنسيين محمد الجيلاني، وهو من أشهر تُجار الحجاز. كان الجيلاني، كبير عائلة الجيلاني أرفع العائلات الحجازية ثراءً في جدة في استحواذها على أغلب تجارة الاستيراد والتصدير بين موانئ الحجاز ومصر منذ مطلع القرن الثامن عشر.

أخذ الجيلاني على عاتقه عبء الدعوة في الحجاز لإغاثة المصريين، فتنقل بين جدة، ورابغ، ووادي الصفراء، والمدينة، وينبع، وأراضي جُهينة لجمع الأموال وحشد الرجال يعاونه الى ذلك أخيه طاهر، وابن أخيه حسن. وأقبل الرجال المتطوعون لدعوة الجيلاني من كل أرجاء الجزيرة العربية، وبادر التاجر الجدّاوي الثري محمد باصلاح الحضرمي، بتقديم خمسمائة بندقية مغربية ومائتي حربة ومائتي سيف وأربع مائة كيس حبوب أرز وألفي نعل ينتعلها فقراء المجاهدين، وقدّم الشيخ عبدالرحمن العسيري، من جنوب الجزيرة العربية، ثلاث سواعي يركبها المجاهدون، واليهم انضم الشيخ أحمد الفاسي من أهل مكة، والشريف غالب الذي جهّز خمسة سواعي مشحونة أيضا.. ومن أهل ينبع جهّز السيد محمد أبوالعسل مراكب وسواعي أخريات من أهل ينبع. كان كبار تجار البحر الأحمر قد تضافروا لنجدة القطر المصري، تعبيراً عن تقاسم المصير، وإنقاذاً لتجارتهم البحرية من الركود والإفلاس.

وحددت المصادر الفرنسية عدد المجاهدين القادمين من الحجاز مابين 6000 و7000 مقاتل. واشتبك المقاتلون الحجازيون بالفرنسيين في ميناء القصير في الأول من يناير 1799م، قبل أن يواصلوا جولات القتال الى قنا وسمهود.

وفي أبنود، في فبراير شن المقاتلون الحجازيون بقيادة السيّد محمد الجيلاني هجوماً ضارياً على الأسطول الفرنسي كان أكبر خسارة مني بها الجيش الفرنسي في الوجه القبلي. واستمرت المعارك الضارية بين القوات المملوكية بقيادة حسن بك الجدّاوي، والقوات الحجازية بقيادة السيّد محمد الجيلاني من جهة، والقوات الفرنسية من جهة أخرى، بين بئر عنبر وقنا والقصير، كانت الخسائر الفرنسية من جرّاءها ضخمة، وخسائر الأرواح بين الحجازيين فادحة حتى أن السيد محمد الجيلاني لفظ فيها أنفاسه الأخيرة، فتفرق بعد وفاته الحجازيين من بعده حيث ذهب بعضهم الى القاهرة وبعضهم الى الشام.

لقد لعب المقاتلون الحجازيون دوراً بطولياً لافتاً في مواجهة الفرنسيين، غالباً ما تم تهميشه، غير أن دومينيك دي بيترو قال عنهم: “وفي الحقيقة اننا لم نشهد أبداً منذ قدومنا الى مصر مقاومة بهذا العنف وبهذه الضراوة، كما شهدناها مع دخول فريق مقاتلي الحجاز”.

أياً كانت نتائج تلك المعارك، تبقى دلالات تضمخ الدم الحجازي بصنوه المصري عصيّة على الإمحّاء والزوال.

تاريخ عريق من التجارة الأهلية المشتركة :

ورد في تقرير ترجمان القنصل الفرنسي بالإسكندرية جين بابتيست تريكورت المؤرخ في عام 1783م، ان تجارة جدة مثّلت 36% من الحجم الاجمالي للتجارة الخارجية لولاية مصر، مُحتلة المرتبة الثانية بعد اسطنبول، كما قُدرت قيمة التجارة بين جدة والسويس بما يفوق 573 مليون بارة.

كانت المصالح التجارية بين ضفتي البحر الأحمر تجري على نظام واحد.. ما أسهم في ازدهار شراكات؛ عبر البحر الأحمر!

في حدود العام 1715م كوّن الشريف مصطفى بن زين الدين أحد كبار تجار الحجاز شركة مع الأمير المصري موسى جوربجي مرزا مستحفظان للتجارة في البخور والتوابل والبُن. وكوّن حسين بن عمر الجربي المغربي أحد تجار البُن في وكالة القفاصين شركة مع محمد مهدي غازي من أعيان تجار جدة في تجارة البن، بلغت أعمالها التجارية خلال العام 1719م حوالي مليون بارة وربع المليون، حسب تقارير الشهر العقاري المتداولة حينها[1]. وقامت شركة بين التاجر الحجازي عبدالرحمن الصديقي مع التاجر المصري محمد بن غاب بسوق الفناجين بخط خان الخليلي، للمتاجرة في الفناجيل والسُلطانيات الصيني والأقمشة الهندية، وبلغ رأس مال الشركة 13000 بارة.  وفي أواخر القرن الثامن عشر كوّن الخواجة محمد محرّم عين أعيان تجار مصر شركة للتجارة في البن مع الحاج ابراهيم الجيلاني، عميد عائلة الجيلاني في جدة، بلغ حجمها في عام 1793م ما يفوق الخمسة مليون بارة. كما أقام التاجر المصري حسن بن علي الشهير بالمنهي مع التاجر الحجازي حسن قهوجي شركة عملت في تجارة الأرز.

وصعد نجم ميناء جدة مع بداية القرن الثامن عشر الميلادي بشكل بارز حتى بات يُعرف بدُرّة موانئ الشرق، لانفراده بتجارة إعادة التصدير بين موانئ الشرق الأقصى، وموانئ مصر ومنها الى أوروبا – وقد وصل دخل جمركه جرّاء ضخامة حركة التجارة ما يقارب 55 مليون بارة، في عام 1783م.

واستحالت جدة الى قاعدة التجارة المصرية ومستودعها الأول.. وكان لكل التجار المحليين، مكاتب وفروع  ووكلاء في الضفة الأخرى من البحر الأحمر: فكان لعلي حمّاد الفيومي أربعة وكلاء في جدة، ولحسن سنبل سرحان ثلاثة وكلاء هم مصطفى بن ابراهيم بصنوي واسماعيل ومحمد عبدالغفور، أما للتاجر الشامي في مصر علي بن أحمد العاقل وكيل في جدة هو محمد جابر، ولمحمد بن أحمد الأنبابي الميري التاجر بوكالة عباس بالجمّالية وكيل هو التاجر الكبير يحيى رمضان (وكان يُلقب بعين أعيان تُجار الأقطار الحجازية)، ولعمر بن شحادة من أهالي السويس وكيلين في جدة هما محمد بن علي القبّاني، وسالم الشرايبي، ووكيل ثالث في ينبع هو عبدالكريم الزلباني، وكان لأحمد حسن المويلحي عام 1724م وكيليّن في جدة هما ابراهيم الزفتاوي، وصالح المصابني – أما التاجر محمد الشرايبي ورّد له في عام 1725م وكيله من جدة 121 قنطاراً من البخور – دلالة على ضخامة أحجام التجارة البينية بين ضفتي البحر الأحمر.

كان كبار تجار القماش بسوق الغورية بالقاهرة يجلبون الأقمشة الهندية من جدة، حيث تأتي أفخر الأقمشة القُطنية اليها من المراكب القادمة من موانئ الهند كل شهر مايو؛ من سروات وكلكوتا وبومباي. ويذكر الجبرتي في تاريخه أنه في عام 1707م تأخرت قافلة الحج المصري في مكة الى منتصف شهر صفر انتظاراً لدخول مركب هندي الى جدة لشراء ما به من أقمشة هندية.

كانت جدة مدينة مُغريّة لأثرياء المصريين.. كان أعيان تُجار مصر يقتطعون أوقاتاً كبيرة للمكوث بها.. حيث يمتلكون منازل، مثل محمد الشرايبي، ومحمد محرّم.

واستقر عدد من تُجار مصر في جدة لسنوات.. مثل مرتضى محمد البغدادي من أعيان تُجار باب النصر (1728م)، وأحمد بن سيف الدهشوري التاجر بخط طولون (1743م). وكان الجبرتي في تاريخه تحدث عن أحمد بن عبدالسلام شاهبندر تُجار مصر وذكر أنه كان يُسافر في كل عام الى الحجاز، وكذا في حديثه عن محمد محرّم الذي “سافر الى الحجاز مراراً واتسعت دُنياه”!

والحقيقة أنه منذ عام 1543م لعب ميناء السويس، وبعده القصير دورا في التجارة مع موانئ الحجاز الرئيسية جدة وينبع والمويلح ورابغ..

وفي بدايات القرن العشرين سيصعد دور بيت باناجة، أحد أكبر بيوتات التجارة في جدة، كأحد كبار الفاعلين في تجارة السلع والأراضي والمحصولات الزراعية بمصر. كان مكتب باناجة التجاري بمصر الذي وضعه الشيخ عبدالله باناجة باشا، وعبدالرحمن باناجة يجري بالتوازي مع المكتب الرئيسي بجدة، وفرعه الثالث بميناء سواكن-السودان.وفي بدايات القرن العشرين سيصعد دور بيت باناجة، أحد أكبر بيوتات التجارة في جدة، كأحد كبار الفاعلين في تجارة السلع والأراضي والمحصولات الزراعية بمصر. كان مكتب باناجة التجاري بمصر الذي وضعه الشيخ عبدالله باناجة باشا، وعبدالرحمن باناجة يجري بالتوازي مع المكتب الرئيسي بجدة، وفرعه الثالث بميناء سواكن-السودان.

وكان أكابر تجار العقيلات من عوائل نجد يترددون على القاهرة لمباشرة تجارتهم في الأغنام والإبل والخيول، مُحققين في مصر مكانة وحظوة كبيرة، وسمعة تجارية تسبق غدوات أصحابها.. كان هناك التاجر محمد العبدالله البسام، والشيخ عبدالله بن ابراهيم أباالخيل، وعبدالعزيز السابق، والشيخ صعب بن صالح التويجري الذي أُطلق اسمه على أحد شوارع عين شمس، والشيخ حمود المُطلق، وعبدالعزيز العجلان، عبدالعزيز بن حجيلان.. وغيرهم العشرات.

وكان رجال العقيلات منخرطين في الحياة الإجتماعية بمصر بكامل أُبهتها.. كانوا قبل أي شئ مغرمين بسباقات الخيل فيها، ولإسطبلاتهم الباذخة بحلميّة الزيتون أو المطرية، حيث تتدرب خيولهم العربية الأصيلة، صولات وجولات على مضامير سباقات مصر الجديدة، ونادي الجزيرة، ونادي سبورتنج بالإسكندرية، حتى كانوا الأكثر ظفراً بكؤوس تلك السباقات منذ وقت باكر جداً من القرن العشرين.

لكن أبرز أولئك العقيلات في مصر، الذي سيصعد نجمه في سماءات السياسة والدبلوماسية العربية، هو فوزان السابق، وهو من عائلة الفوزان النجدية التجارية الشهيرة، وكان من تجار الإبل والخيول يشتريها من اسواق نجد ويسافر بها الى الشام والعراق ومصر، حتى صار أميراً على تجار العقيلات العرب.

ومنذ عام 1925م، استلم الشيخ فوزان السابق أعماله في مصر كوكيل (سفير) لمملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها، وكان لصيقاً بالملوك والأمراء ورجال السياسة والقانون والمال المصريين والعرب، وظل في القاهرة رُكناً سامقاً – الى أن توفي بها عام 1954م.

صلات قُربى، وروابط دم :

وتجري طبقات الديموغرافيا، ونمط تكوّن العوائل في المدن، وتداخل نسيج القبائل وتدفات السكان بين الحجاز ومصر، في وحدة متناغمة حد التطابق.

ومجال البحر الأحمر يحمل بطبيعته ايكولوجية اجتماعية واحدة.. وأنّى تنقلت بين ضفتي البحر الأحمر لن تُخطئ ايقاع السمسمية ولا وقع أهازيج رجال البحر المتطابقة.. كما لن تختلف عليك مورفولوجية الطبقات البشرية، التي ترتبط بوشائج قربى، وتتداخل وتتصاهر حد التماهي.

كانت عمليات التزاوج والمصاهرة بين عوائل البحر تجري دون تفرقة بين الضفتين. ومنذ القرن الثامن عشر امتلك بحّارة المراكب، ونواخيذ الأساطيل البحرية، منازلاً في السويس كما في جدة، كما كان لأغلبهم زوجات في جدة والسويس في الآن ذاته؛ فكان الريّس أحمد بن يوسف العلايلي ريّس مركب الأزمرلي متزوجاً من آمنة بنت عبدالله وله منها ولد في مصر اسمه ابراهيم، وكان له زوجة أخرى في مكة اسمها تُفاحة بنت عبدالله البيضا وله منها بنت في الحجاز اسمها كريمة!

والرحالة الينبعاوي ابن واصل، كان قد لاحظ في رحلته من أسكلة الوجه الى أسكلة القصير عام 1886م، أن كل سكان القصير أصولهم من ينبع، فجهينة وبلي والأشراف في مصر أكثر منهم في الحجاز، خصوصا في الوجه القبلي المصري – ليس ذلك غريباً فحتى وقت قريب كانت محكمتيّ القصير وقنا، تابعتين لمحافظة ينبع.

وقد استمر تدفق القبائل العربية الحجازية مثل فروع سليم وحرب وجهينة في هجرتها الى مصر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وبقيت أعقابها مستقرة الى اليوم في صعيد مصر في المنيا وسوهاج وأسيوط، وفي الوجه البحري في محافظات الشرقية والغربية والقليوبية.

وكان لعرب ينبع دور في تجارة مصر في القرن الخامس عشر خصوصاً في سوق السلاح وبين الدربين، وهناك عائلات للشواربي الذي انتقل لمصر من وادي الصفراء، وسُمي شارع الشواربي في القاهرة بإسم أحد أعلامهم، وكذلك عائلة الظواهري الشهيرة فأصلهم من عرب الظواهر بالمدينة المنورة، وفي عام 1929م تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد الظواهري، ومنهم الدكتور فخرالدين الأحمدي الظواهري، صاحب ندوة الأصفياء التي كان ينظمها في داره بالقاهرة في الخمسينات الميلادية، والدكتور محمد الشافعي الظواهري الطبيب المصري المعروف والمُختص في الجلدية – كما أن رئيس وزراء مصر عام 1928م محمد محمود باشا سليمان، من ساحل بني سليم، من أصول حجازية، والأديب محمد إبراهيم المويلحي (توفي 1930م)، أحد أعلام النهضة العربية، كان من عائلة مصرية من أصل حجازي.

وفي صعيد مصر استقر عدد كبير من الأسر الحجازية مثل أسرة الشريف حسن بن بساط العنقاوي التي نزحت من مكة في بداية العصر العثماني، واستقر بها المقام في قنا. وأصبح العنقاويون يشكلون قاعدة أساسية لهجرات الأشراف في صعيد مصر، حتى أن قرى بأكملها نشأت في الصعيد المصري حملت اسم الجماعات التي نزحت اليها من الحجاز، مثل: قرية الأشراف البحرية، وقرية الأشراف القبلية.

والأشراف القنّاوية، عربان سكنوا واحة الزيمة في الطريق بين مكة والطائف، عُيّنوا أمراء عليها، آتين من قنا – وتتسلم سلالاتهم اليوم في السعودية مناصب عسكرية رفيعة.

أما عشائر بُلي فهي متداخلة بين شمال السعودية، وشبه جزيرة سيناء – ومنقسمة على الجنسيتيّن المصرية والسعودية.

ومنذ القرن الثامن عشر، انتقلت عوائل عديدة من مدن الحجاز، لتقطن بالقاهرة، والاسكندرية، والمنصورة، والمنوفية، والسويس.

وكان الحجازيون المستقرين بالقاهرة يستحوذون على مهنة الصيرفة مع نهاية القرن الثامن عشر، من هؤلاء السيّد علي بن ناصر بن محمد الحجازي الصرّاف هو كوالده بسوق الغورية (وكان يملك منزلاً كبيراً في خط الباطنية حتى حدود عام 1717م)، والسيّد حسين بن محمد المكّاوي الصرّاف بخط الصليبة، والزيني جلبي بن مكي الحجازي الصرّاف بخط باب الخرق، والحاج أحمد الصرّاف بن عمر المويلحي، والحاج محسن بن حسين الصيدلاني الحلفاني الينبعاوي الصرّاف بخان الخليلي.

وعمل كثير من الحجازيين المهاجرين لمصر في افتتاح حوانيت للتجارة، مثل: الحاج علاء الدين المكّي (خان الخليلي)، والحاج محمد بن ابراهيم المكاوي (خان الخليلي)، والشريف سليمان المسلمي بن محمد المكّي (سوق الصاغة)، وشمس الدين بن محمد حجازي المكّاوي العطّار (سوق السباعين) – كل هؤلاء استعرقوا واندمجت سلالاتهم في النسيج المصري.

وثمة وجود لعوائل نجدية مهاجرة اندمجت بدورها في النسيج المصري.

وبعد سقوط الدرعية عام 1818م، نُفي الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، مع ابنه عبدالرحمن، الى مصر، الذي انضم الى رواق الحنابلة بالأزهر وتوفي بها عام 1857م. وكان عبدالرحمن قد خلّف بمصر ثلاثة أبناء هم أحمد الأزجي، أي الصيدلي، وعبدالله، ومحمد. وكان أحمد الأزجي (بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب) قد أنجب ابناً اسمه محمد، عُيّن رئيساً لإسعاف العياط بمصر في زمني الملكيّة والثورة، وحين توفي بمصر عام 1958م رثته جريدة الأهرام، وله أخت اسمها حنيفة بنت عبدالرحمن حقي، وله ابن اسمه أحمد محمد حقي، يعمل في الهندسة وهو مواطن مصري[2].

وذات الأمر ينطبق على عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب اندمج أعقابه في النسيج المصري الراهن.

وبدورهم استقر نفرٌ من أكابر وعلماء المصريين في مكة منذ العهد العثماني، واستلموا بها مناصب رفيعة –  فعُين الشيخ عبدالقادر الصدّيقي البكري (توفي 1725م) وكيلاً لشريف مكة، وهو من أعلى المناصب السياسية، وعُيّن الشيخ ابراهيم العلقمي (توفي 1774م) أميناً لبندر ينبع، وارتفع الى مشيخة نقابة الفراشين للمسجد الحرام الشيخ عمر بن عثمان أبوالسعود (توفي 1742م).

ويذكر الأنصاري في تحفة المحبين والأصحاب لما للمدنيين من أنساب، ان من جملة الأسر التي كوّنت نسيج المدينة المنورة الحضري عام 1782م، كان ثمة 44 أسرة من أصل مصري هاجرت أغلبها في القرن السابع عشر الميلادي (مثل عائلات: الوراقي، الخياط، الفخراني، الصعيدي، عبدالجواد، النجار، المصري، رضوان، الخ).

وأورد المؤرخ المكّي أحمد السباعي في تاريخ مكة، أسماء مجموعة من أعيان عوائل مكة العريقة، من أصول مصرية، أو ذات امتدادات اجتماعية وحضارية متجذرة بها؛ مثل آل القطان، آل المنصوري، آل الدمنهوري، آل الرشيدي، آل الزقزوق، آل شطا، آل شبانة – وقبلهم آل المنوفي، وآل الفيومي (وهي عائلة استعرقت بمكة منذ القرن السادس عشر وكان منهم الحاج حسن الفيومي وزير شريف مكة).

وداومت أجيال من النخب الحجازية على إبقاء خطوط المصاهرة حيّة مع العوائل المصرية البارزة – كان الشيخ المصري أحمد بن حجر الهيتمي (1503م- 1565م) قد زوّج ابنته صفية الى الشيخ محمد بن أبي اليُمن الطبري [القرشي]، وابنته الأخرى الى الشيخ محمد الزمزمي، التي أنجبت منه مُفتي مكة في زمانه عبدالعزيز محمد الزمزمي. وتزوّجت السيّدة فاطمة النويرية المصرية من الشيخ المكّي يحيى الطبري، والسيدة آسيا بنت أبي بكر الصعيدي من الشيخ المدني ابراهيم البرزنجي..

وزوّج الشيخ المصري عبدالرؤوف البشبيشي إبنته من الشريف المكّي فهد بن حازم.

وفي القرن الثامن عشر تزوّج الشيخ أحمد الشنّاوي المصري من ابنة الشيخ صفي الدين القُشاشي من أهل المدينة المنورة، وتزوّج الشيخ أبو السرور الخليفتي من السيدة ريّة بنت حسين البصري من أهل مكة، أما الشيخ عمر السمهودي (توفي 1771م) كانت أمه ابنة للشيخ المكّي على القُشاشي.

واستمر نمط التآلف والتزواج الى يومنا هذا، وما أكثر الأمثلة من واقعنا المُعاش وأحشدها.

تواريخ وتقاليد عريقة من التثاقف :

كانت مؤسسة الحرمين تجري في اتصال وانسجام وتبادل خبرات علمي مع مؤسسة الأزهر بالضفة المقابلة.

وفي القرن السابع عشر، أجاز عالم مكة الأكبر الشيخ عبدالله بن سالم البصري المكّي (توفي 1722م) لجملة ضخمة من علماء مصر الذين كانوا يقصدونه طلباً للأسانيد العالية التي كان قيّماً عليها في عصره مع رفيقيه أحمد النخلي المكّي، وحسن العجيمي المكّي.. ومن تلاميذه المصريين: أحمد البشبيشي، محمد الشرنبابلي، أحمد بن عبدالغني الدُمياطي، أحمد بن عبدالفتاح الملوي، أحمد الجوهري، حسن الجبرتي، ابراهيم المنوفي، ونفرٌ غيرهم.

وكان كتاب مثل كنوز الحقائق والبدر المُنير الذي كتبه الشيخ المكّي عبدالله الميرغني، يشرحه بالأزهر الشيخ محمد الجوهري.

وكان لعلماء الحجاز حضور مركزي في مؤسسة الأزهر منذ منتصف القرن الثامن عشر، حتى أُطلق رواق ضمن أروقة الأزهر بإسمهم: رواق الحرمين الشريفين– فيما أطلق الجبرتي عليه اسم رواق المكيّين، وكان يقع داخل باب المقصورة عن يمين الشخص المُتجه الى المنبر، ويقع على يساره رواق التكارنة، والى يمينه رواق الصعايدة.

وكانت جماعة من أشراف وأعيان مكة تتقاطر الى مكة للدراسة بالقاهرة، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي؛ مثل الشريف أحمد بن زيد المكّاوي، والشريف عجلان بن جاد الله المكّاوي، والشريف محسن بن محمد طعيمة فخر الأشراف بمكة، والشيخ محمد بن عبدالكريم السمّان، الذي ابتعثه والده في المدينة الى القاهرة عام 1760م، ليتلقى العلم على يد أكابر علماء مصر، حتى انه كان يعقد حلقة ذكر بالمشهد الحسيني، حيث تلقى الطريقة الخلوتيّة في مصر على يد الشيخ مصطفى البكري الرمز البارز للخلوتيّة، وبعد انقضاء درسه عاد الى المدينة ليشتغل بالتدريس بالمسجد النبوي، ويؤسس بها الطريقة السمّانية التي انتشرت عالمياً.

وكان عديد من علماء الحجاز البارزين ينتقلون للقاهرة للمكوث بها في فترة من فترات حياتهم بما يُشبه فترة التفرغ العلمي: مثل الشيخ تاج الدين بن جلال الدين الياس المدني، والأديب والشاعر المكّي علي بن تاج الدين محمد بن سالم القلعي، والشيخ المكّي عبدالله بن ابراهيم بن أمين الميرغني الحسني المكي، الشهير بالمحجوب، الذي حضر الى القاهرة في عام 1760م، واتخذه مسكناً، وأقام به جلسة ثقافية شهيرة، قبل أن يعود ويتوفى في مكة عام 1791م.

وكان منهم من يهاجر الى مصر، ويستقر بها ويستعرق، مثل الشيخ حسن البدري الحجازي (المتوفي 1721م)، الذي هاجر من الحجاز واستقر بالقاهرة، واشتغل بالتدريس في الأزهر، وقد وصفه الجبرتي قائلاً: “وله في الشعر طريقة بديعة وسليقة منيعة على غيرة رفيعة، وقلما تجد حشواً أو تكملة”.

ومثل محمد بن إسماعيل بن عمر المكّي (1795-1857م)، المعروف بالشيخ محمد شهاب الدين.. الذي تعلّم في الأزهر وأولع بالأغاني وألحانها وساعد في تحرير صحيفة الوقائع المصرية – وهي أول صحيفة عربية، ثم تولى تصحيح ما يُطبع من الكتب في مطبعة بولاق الشهيرة، واتصل بالخديوي عباس الأول فلازمه في إقامته وسفره ثم انقطع للدرس والتأليف فصنَّف سفينة المُلك ونفيسة الفُلك – أبرز مراجع الموسيقى والموشحات العربية.

وفي عام 1910م حجّ الخديوي عباس الى مكة، وكان في رغبته أن يأخذ شباباً من الحجاز الى مصر للتزود بعلوم العصر الحديثة. فأخذ عبدالرؤوف الصبان من أهل مكة (الذي سيُصبح أحد رجالات الحزب الحجازي الوطني، ورئيس مجلس المعارف في العهد السعودي)، وأخذ حسين دياب ناصر من عائلة كانت لها رئاسة فرع الأحامدة من بني سالم (الذي سيُعرف فيما بعد بباب عرب المدينة المنورة) – وأودعهما في دار العلوم. فالخديوي عباس كان يُقلد السلطان عبد الحميد يريد أن يجمع حوله رجالاً من هنا وهناك، كما يقول حسين زيدان.

وكان أعيان الحجاز يبعثون بأبنائهم الى مصر لتلقي العلوم العصرية، كما فعل قاسم زينل علي رضا الذي رحل لدراسة وممارسة الصحافة منذ عهد باكر، قبل أن يعود ويُنتخَب عن مدينة جدة في البرلمان العثماني عام 1908م.

وفي العهد السعودي بدأ الابتعاث الى مصر عام 1927م، بقرار مجلس الشورى رقم 33 في عام 1927م، القاضي بإرسال أربعة عشر تلميذاً من الحجاز ونجد، للتخصص في دراسة القضاء الشرعي والتعليم الفني والزراعة والطب والتدريس.

وتم إيفاد أربع بعثات متتالية إلى مصر، الأولى عام 1927م، والثانية عام 1936م، والثالثة عام 1942م، والرابعة عام 1944م.. ثم توالت البعثات إلى مصر، والى أوروبا وأمريكا، خصوصاً بعد أن تفجر الزيت في الأراضي السعودية.

كانت دار البعثة السعودية تتوسط جزيرة الروضة أحد أرقى أحياء القاهرة.. وحين يصل أفراد البعثة في كل عام إلى مصر، كانت تقام لهم حفلات استقبال عظيمة تبدأ من نزولهم من الباخرة في مبنى (الكورنتينة)، وتُلقى في الاستقبال الخُطب وقصائد الترحيب. كانت مرحلة كفاحات وأحلام صلبة لجيل روّاد، ظلوا مُخلصين لما قدمته لهم الثقافة المصرية في عزّها ومجدها وعنفوانها..

ومن أشهر خرّيجي تلك البعثات، أسماء أحدثت انقلاباً في الوعي السعودي المعاصر: السيّد محمد شطا، السيّد ولي الدين أسعد، [الأستاذ] أحمد العربي، عمر نصيف، [الوزير] يوسف الهاجري، [الوزير] عبدالله الطريقي، [الوزير] حسن المشاري، فؤاد وفا، عبدالقادر مُحتسب، علوي شطا، إبراهيم محي الدين حكيم، عبدالله ناظر، عبدالمجيد متبولي، [الشيخ] هاشم دفتردار، [الوزير] ابراهيم السويل، [السفير] حسين فطاني، [السفير] عبدالله الخيال، [السفير] عبدالرحمن البسّام، [السفير] عبدالله الملحوق، [العلاّمة] حمد الجاسر، فؤاد الخطيب، [الأستاذ] عبدالله عبدالجبار، أحمد جمال عباس، [السفير] جميل داود المسلمي، أحمد الخطيب، محمد آشي، [الأديب] محمود عارف، محمد علي مداح، [الأديب] أحمد عبدالغفور عطار، محمد بادكوك، [الوزيرٍ] حسن نصيف، [البروفيسور] عمر أسعد، [السفير] أحمد المبارك، [الوزير] حامد هرساني، حامد دمنهوري، [الوزير] أحمد شطا، [الوزير] عبدالله الدبّاغ، عبدالله بغدادي.

ولم تقف البعثات الى مصر على الشئون التعليمية، فطلاب الكلية الحربية بعد أن انخرطوا بالجيش العربي السعودي برتبة ملازم أول أُعيدوا للتمرين عملياً بالجيش المصري.

وقد ذاع صيت الطلاب السعوديين بالقاهرة، فكان كثير منهم نجوم مُجتمع، مثل الدكتور عمر أسعد، وهو طبيب جراح، كان يُنظر اليه في مصر كمثال للكفائة والتقدير الرفيع – لاحقاً أصبح الدكتور عمر أسعد النواة التي تأسس منها الطب الجراحي في الجزيرة العربية.

وفي زيارة للصحفي المصري، محمد رفعت المحامي، من مجلة المصوّر المصري، الى السعودية في عام 1947م ذُهل في طريق جدة-مكة من مزرعة نموذجية أنشأتها مديرية الزراعة السعودية للإفادة من الماء الزائد الذي كانت تضيق به خزانات جدة، ويُقدر في المتوسط باثنين وعشرين ألف صفيحة في اليوم. لم يكن ذلك سوى احد مشاريع الشاب السعودي محمد بادكوك، خرّيج كلية الزراعة بجامعة فؤاد الأول، الذي حقق المعجزة وقلب رمال الصحراء إلى أراضٍ خصيبة.

ولم ينقطع الاتصال الثقافي –بطابعه الأهلي- بين حاضرتي مكة والقاهرة في أي وقت من الأوقات.

وأورد الجبرتي المحاورات الشهيرة التي كان يجريها أدباء وعلماء الحجاز مع مصر طيلة القرن الثامن عشر، ومن أشهرها ما جرى بين الأديب المصري رمضان محمد المنصوري، والأديب المَدني قاسم بن عبدالقادر المدني.

وكانت كلية الآداب العريقة بجامعة فؤاد الأول، تبعث سنوياً من كبار أساتذتها وروادها وطلائع تلاميذها من طلاب الصفوف العالية بها في كل موسم حج لأداء فريضة الحج والزيارة، والاجتماع بأبناء مكة والمدينة وأدبائهما ورجال الفكر والعلم بهما.. كانت تلك سُنّة حسنة، يحرض عليها علم من أعلام كلية الآداب؛ الدكتور عبدالحميد العبادي. وكان شباب الأدب في مكة وكبار أدبائها، يحتفون برصفائهم بدورهم فيما يعرف بحفلة “حوش الكُردي” في قلب مشعر منى.. كانت حفلات تُباشر بجهود أهلية صرفة، يحرص على رعايتها سنوياً، زعيم الأدب السعودي الحديث؛ محمد سرور الصبان.

وفي الثلاثينات كان طنطاوي جوهري صاحب تفسير الجواهر يأتي الى مكة، فيمكث في ضيافة الأديب عبدالله فدا بباب السلام، ومحمد حسين هيكل باشا والشيخ محمد الغنيمي التفتازاني (الكاتب المصري الشهير وشيخ الطريقة الغنمية الصوفية بمصر) ينزلان ضيوفاً على أمين العاصمة السعودية، مكة، الشيخ عباس القطّان.

وكان حسين باسلامة، وهو أحد الزُعماء السياسيين بمكة، يداوم كل عام الى دعوة بعض أعلام المُغنين الوافدين الى مكة في أيام موسم الحج من القطر المصري الى داره بحارة الباب الى العشاء.. وكان يقابلهم بمُطربي الحجاز – خصوصاً صاحب الصوت الشجي، واللحن الفتون، الشيخ صالح الحلواني، الذي كان من معاصريه لا يُشق له غبار في فن المجّسات الحجازي العريق. وكان المصريون يتنافسون بفنهم، والمكيون يردون عليهم بفنهم في حدود ما هو من ألحان مكة أو الحجاز أو باديته من الحداء البدوي، الى المجرور الطائفي.

وتأثرت مكة في نهضتها بأدباء المهجر، واقتبست طابع التعبير الأمريكي، فكانت مدرستها الأدبية تصويرية ابداعية ابتكارية، إلا أن المدينة المنورة تأثرت بأدباء مصر وتعصبت لهم، فجاءت مدرستها الأدبية واقعية عملية.

ونلمس في بواكير النهضة العربية أثر المصريين على روّاد الأدب السعودي، فنجد تأثر محمد سرور الصبّان بالبارودي ومجلة البلاغ الليبرالية، ونلحظ أثر العقاد ومحمود محمد شاكر وأبحاث مجلة المقتطف واضحاً في في أحمد عبدالغفور عطار، وطه حسين في عزيز ضياء، والرافعي في محمد حسين زيدان، ومجلة السياسة الأسبوعية في حمزة شحاتة، والتابعي في عبدالله عريف.. قبل أن يُلملم الأدب السعودي نفسه ويستعد لتكوين شخصيته المُستقلة وبلوّرة كيانه الذاتي الخاص به مع نهاية الأربعينات الميلادية.

كان الناشئة في مكة يتحلقون حول مكتبة الكُتبي أحمد حلواني أمام دائرة البريد في القُشاشية، يبتاعون الكتب والمجلات المفارقة، التي يستوردها من مصر أو يصطحبها معه في طريق عودته من مصر على ظهر الجمال.

هكذا سطع الشبيبة المكيّة مع كل كتاب كان يصدر في مصر لتوفيق الحكيم، أو طه حسين، أو شبلي شميّل، أو أحمد لطفي السيد، أو عبدالعزيز البشري، أو ابراهيم المازني، أو محمد عبدالله عنان.

كل الطُرق تؤدي الى القاهرة:

كانت الهجرة الى مصر تشهد طلباً متصاعداً لدى كثير من شرائح السعوديين – حتى بلغت الظاهرة ذروتها مع الخمسينات الميلادية.

ورحل الأديب السعودي حمزة شحاتة مع أخيه محمد نور الى مصر أول مرة، لتجريب حظهما في التجارة والاستثمار في العقار، وبحثاً عن أفق أكثر اتساعاً لمتطلبات الحياة العصرية، وفي توفير فرص تعليميّة أكثر عصريّة لبناته الخمس، حيث لم يكن بالحجاز سوى مدرسة واحدة كسيفة للبنات تقوم بجهود أهليّة، وجدل كبير في تسنم مديرية المعارف لملف تعليم البنات من عدمه!

وقتها كان السعوديون يتقاطرون على القاهرة، لكلٍ أسبابه؛ للعمل أو الدراسة أو التجارة أو النقاهة أو لتنشّق نسائم الحرية بعيداً عن اختناقات الداخل.

كان عبدالرؤوف الصبان، وأحمد عشماوي، وعمر هزازي، يقطنون القاهرة، ويستثمرون في شركة أتوبيس النقل لمصر الجديدة، وكان هناك بالطبع عبدالله عبدالجبار، والسيّد ولي الدين أسعد، مشرفان على البعثات الطلاّبية السعودية بمصر، الى جانب ابراهيم فلالي، وهاشم برادة، وحمزة أسعد، وابراهيم الدباغ، وسالم صبان، وعمر رفيع، وأحمد ملائكة أحد مؤسسي مكتبة الثقافة بمكة، الذي هاجَر الى القاهرة وأسس مطبعة بها وداراً للنشر سمّاها دار ممفيس للطباعة أصدرت العديد من الكتب والدواوين لمؤلفين مكيين، مثل دعونا نمشي لأحمد السباعي والشيخ الفادن -مسند مكة.

وانتشرت في منتصف الخمسينات الميلادية، مجالس الأدباء السعوديين بالقاهرة.. كان عبدالله عبدالجبار يقيم ندوة شهيرة في منزله المُطل على النيل بالجيزة، بشارع البحر الأعظم امام كازينو كازينور. كانت حاشدة بالرواد، من حمزة شحاتة، محمد سعيد بابصيل، ابراهيم الفلالي، ابراهيم فودة، عبدالله القصيمي، حمد الجاسر، محمد حسن عواد، ضياء الدين رجب، عابد خزندار، عبدالله الخطيب، حسن القرشي، والشيخ محمد بن بليهد.. ومن المصريين: محمد عبدالمنعم خفاجي، مصطفى السحرتي (رئيس رابطة الأدب الحديث)، محمد مندور، العوضي الوكيل، علي شلش، أنور المعداوي، عبدالقادر القط، سمير سرحان، ومحمود السعدني.

كانت ندوة عبدالجبار حافلة بالتنوع في كل اتجاهات الفكر.. حيث كان يجلس العالم الأزهري المُتحرر محمود أبو رية، وكان عضوا في هيئة كبار العلماء المصرية، الى جانب يوسف حمّودة عضو في الحزب الشيوعي!

وازدهرت في مصر جلسات قصر دار العروبة بمصر الجديدة للزعيم الحجازي محمد سرور الصبان، الذي كان مقيماً بها في فترة الخمسينات، وذهبيّة الفودة وهي عوامة على شاطئ النيل لصاحبها الأديب المكّي ابراهيم فودة حيث كانت تدور رحى النقاشات الأدبية.

فيما كان حمزة شحاتة، وأخيه محمد نور، يلتقيان بعُشرائهما نهاراً في مقهى حديقة سان سوسيه (Sans Souci Park)- المتصدر ميدان الجيزة – والواقع خلف متجر عمر أفندي القديم.

في التبرير الذي ساقه حمزة شحاتة لطول مكوثه بمصر، في رسالة بعثها الى صديقه محمد عمر توفيق في الخمسينات الميلادية، شهادة جيل تؤلمه مخاشنات الرقيب.. يقول شحاتة: “مصر بلاد لا يخشى السأم فيها الشاب الى أن يشيخ، ولا الشيخ إلى أن يفنى، ولا الفاني –إن كان يحس- إلى أن يُبعث.. لا لأن الصور فيها تفوق العدد والحصر.. ولكن لأن لكل صورة فيها نسلاً ولوداً لا يكفي لاستيعابه العمر المحدود.. وحسبك ببلاد يتغير كل ما فيها عندما يأتي المساء، تغييرات تختلف نسب الذكورة فيها وصورها ونغماتها، وإشاراتها، وحركاتها، حتى يلوح الفجر .. والحرية الشخصية في مصر –وحرية الكلام فيها- شئ ليس بعده غاية لمستنير.. فالناس كلهم، يأكلون في الشوارع سائرين وواقفين، ويضحكون ويتبادلون النكات.. حتى نكات الجنس.. والجنسان سواء في هذا”.

حتى موهق الغنامي، من عُربان قبيلة عتيبة، الذي كان يعمل مع تاجر العقيلات النجدي الشيخ محمد العبدالله البسام، ويتردد معه الى القاهرة لبيع الخيول والإبل في أسواقها.. كان بعد أن فرغ من أعماله الجنديّة في جيش الشريف حسين بالحرب العالمية الأولى، قد آثر الهجرة إلى مصر عام 1930م، بعد ان اشتدت وطئة الإخوان في مكة.. رحل موهق للقاهرة التي طابت له وألِفها، ولو اضطر للعمل خفيراً فيها، كما فعل لدى عزبة عزيز عزّت باشا !

شُرب الدُخان والقهوة .. بالقوة الناعمة:

انتقلت عادة شرب القهوة، المنتج الجديد، من عدن الى مكة عام 1500م، وغدا استهلاك القهوة في مكة منتشراً حتى توجّس الفقهاء من مفعولها، فجمع مُحتسب مكة، بأمر من السلطان قانصوه الغوري، كل القهوة الموجودة في مكة، وأمر بحرقها، حتى بات أمر تداولها سرياً، الى أن فرضت وجودها. ومن مكة عرفت القاهرة القهوة أول مرة، حيث نقلها معهم طلاب العلم الحجازيون المجاورون، فكانوا يشربوها في حارة الأزهر. وقد قوبلت القهوة في مصر بمقاومة عنيفة من الفقهاء، فقام صاحب العسس في القاهرة في سنة 1539م بمهاجمة مستهليكها، إلا أنها فرضت نفسها كمشروب تقليدي، ومالبثت أن انتقلت من مصر الى الشام واسطنبول، حتى استوردت البندقية بايطاليا القهوة من مصر في مطلع القرن السابع عشر، ومنها عرفتها امستردام ولندن (في حدود عام 1633م) ثم فرنسا بعد ذلك. ومنذ ذلك الحين تحولت القهوة الى سلعة غذائية تجارية عالمية، حيث كانت القهوة تُزرع على الجبال في مدينة بيت الفقيه، ثم تنقل منها الى ميناء مخا، ثم جدة، ومنه الى السويس فأوروبا.

والتقط الحجاز بدوره عادة شُرب الدخان (التنباك) من مصر منذ عام 1603م، فيذكر المؤرخ محمد بن أحمد صباغ المكّي، في تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام أن الدخان ظهر بمصر في زمن علي باشا المُلقّب بالنمر، وانه انتقل منها الى مكة!

ان أجمل وأظهر –وأغرب- ما ساد بين ضفتي البحر الأحمر من مشابه وصلات ما كان له أن يصير إلا لفرط تغليب القوة الناعمة.

[1] كل تقارير الشهر العقاري مجلوبة من دراسة العلاقات المصرية-الحجازية، لحسام محمد عبدالمعطي.

[2] من كتاب دعوة الشيخ ومناصروه، للشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ.