الطيب… السجين 32!. الأستاذ تركي الدخيل

المصدر : جريدة الإتحاد

تركي الدخيل

قليلةُ تلك الشخصيات التي تكون غير عادية في تأثيرها على واقعها وعلى مجتمعها. قيمة تلك الشخصيات أنها تبلور مشروعاً ثم تعرضه على المجتمع، وكما قال أمين الخولي من قبل فإن الأفكار المرفوضةِ حيناً تكون مقبولةً في أحايين أخرى. الأستاذ والأديب:محمد سعيد طيب من بين تلك الشخصيات السعودية التي أعتبرها “استثنائية” من حيث الهم الذي حمله على عاتقه، وسواءٌ اختلفتَ مع مشروعه أو اتفقت، فأنت لا تملك إلا أن تقدر الجهد الهائل الذي بذله، وحين أهداني صديقي أحمد عدنان مشكوراً كتابه الضخم:”السجين 32-أحلام محمد سعيد طيب وهزائمه” كنتُ أقرأ مرحلةً تجاوزت النصف قرن، من السجال الثقافي والسياسي والفكري في وطني. تأملتُ بيني وبين نفسي متمتماً: “يا ألله، إنه لوطن عظيم ذلك الذي ينتج هذا الجدل الجميل والسجال المثمر”.

 

في كتابٍ ناهزت صفحاته الـ471 صفحة، تقرأ في كل حوارٍ لوحةً من الوطن، ما بين مكة وجدة، إلى التأليف، إلى الأدب والجدل، إلى التجارب السياسية التي أودت بأبي الشيماء إلى السجن. خلال إجازة الأسبوع الفائتة جلستُ مع بوح الطيب سعيد، قرأتُ ملامح الوطن من خلال ملامحه، واستشففت في الكتاب أسلوباً جميلاً وحكمةً واضحة. لا يمكنك أن تنهي بضع صفحاتٍ من دون أن تظفر بقول جميل، أو حكمةٍ ممتعة، أو درس حياتي مهيب. تنوعت فصول الكتاب، من: مقدماتٍ شخصية، إلى وقفة على أكتاف الماضي، إلى جدل عبد الناصر وكارل ماركس، مروراً بسنوات الألم والعزلة، ثم بـ”تهامة” والتجارة حين تتحول إلى مشروعٍ ثقافي، إلى الفصل السادس الدالّ بمعناه: “يستدعى بصفةٍ خاصة” إلى مخاض الدولة والمجتمع، ثم يصل القارئ إلى:”مثقفون وأمير، وأسامة بن لادن، ثم جدل السجن في الحائر، وإلى أن يصل إلى وقع 11 سبتمبر على السعوديين!

ومن المفارقات أنني قرأتُ وصف لقائه ببن لادن بُعيد مقتله، حيث يقول عن لقائه به في ص277:”كان اللقاء الأول والأخير؛ في ذلك الوقت لم يكن بن لادن الإرهابي المطلوب دولياً، بل زعيماً شعبياً، وأحد أبطال الجهاد الأفغاني، حصل اللقاء على دعوة غداء في منزل أحد الوجهاء في مكة المكرمة، في الحقيقة لم أكن من المعجبين بأسامة بن لادن، ولم أكن مشجّعاً أو مرحباً بدور المملكة في الجهاد الأفغاني، لذلك قلتُ له والمجلس كله يسمع:إذا كنتم تزعمون أنكم تحاربون الباطل هناك، فالباطل عن يمينك وشمالك، فردّ عليّ والمجلس كله أيضاً يسمع: وأين يتدرب شبابنا على حمل السلاح؟”، يضيف سعيد طيب:”في ذلك الوقت كان بن لادن في أوج شبابه ووهجه وتألقه، فارع الطول، فائق الوسامة، يتحلى ثوبه بمسدسٍ ضخم، وأبرز ما لفتني في سلوكه، توقفه عن الكلام إذا شعر بأدنى مقاطعةٍ من الحضور ولو لم تكن مقصودة”.

هذه إحدى السجالات التي ضمها الكتاب النفيس، وهو كتاب يسجّل نقلةً مهمة في توثيق المراحل المهمة في تاريخنا الفكري في السعودية. نحن مسرورون بالكتب التي تتناول الشأن السعودي مهما حملتْ من أفكارٍ ربما نختلف معها. إذا كنا نأمل من السعوديين أن يقوموا بتأليف كتبٍ نتفق معها 100في المئة، فإننا نحلم بمحال، واليوم تأتي وثيقة “سعيد طيب” وتحفة رحلته بين دفتي كتاب، لتكون مدونة مهمة في تاريخنا الحديث، فشكراً لأحمد عدنان على هذا الجهد الرائع.

أبو الشيماء ممن شجع على الحوار، ودافع عن الحرية والنقد، ونافح من أجل مسارٍ حر في مجالات الفكر والتعبير، واستعدتُ موقفه من أسامة بن لادن، لأطرح على كل المتابعين نموذج حوارٍ بين رمزين سعوديين، أحدهما ليبرالي، والآخر أصولي!

هذا هو وطني الذي آمله أن يكون ميداناً للحوار… لا أكثر … ولا أقل، فهل هذا كثير؟!