عيد مكة الدستوري: ان كنت تبغي مُلك مكة فاعلمن .. ان المليك بها هو الدستور

المصدر : مدونة محمود عبدالغني صباغ

عيد مكة الدستوري: ان كنت تبغي مُلك مكة فاعلمن .. ان المليك بها هو الدستور

المسجد الحرام. مكة. أول عيد أضحى دستوري في مكة (ديسمبر 1908). الشيخ أحمد بن عبدالله مرداد، شيخ الأئمة والخطباء على المنبر، والشريف حسين بن علي، شريف مكة، يتقدم الصفوف بعمامته السوداء التي درج على ارتداءها في المناسبات الدينية.

 


 

هذه الصورة النادرة تعود لمجلة (LIFE) – وجدتها اثناء التقليب في أرشيف جامعة كولمبيا! ..

كل ما نعرفه للوهلة الأولى هو التعريف المرافق للصورة: “تعود لخطبة العيد بالحرم المكّي عام 1908م”!.. فقط هذا!.. ولكن بقليل من التحليل وربط الأحداث التاريخية ببعضها واحياء سرديّات المراجع والكشوف الرسمية لتلك الحقبة، يمكن أن نصل الى تفكيك مُرضي للحدث التاريخي..

كان عام 1908م مفصلياً في تاريخ مكة والحجاز، والخلافة العثمانية بأسرها. أرغمَت ثورة الشبان الأتراك –حزب الاتحاد والترقي- بقيادة الضابطان أنور ونيازي- السلطان عبدالحميد على اعلان اصلاحات عام 1908م، ومنها اعادة العمل بإصلاحات دستور 1876م الذي سبق وأن وضعه مدحتباشا -أبو الدستور العثماني- [1].

وتتزامن هذه الصورة مع بداية سنوات الصَخَب بالحجاز، التي استمرت منذ اعلان الدستور العثماني عام 1908م، ولم تستقر -لأمانة التاريخ- الا بعد القضاء على ثورة ابن رفادة -غير الناجزة- بالحجاز واعلان توحيد المملكة العربية السعودية في سبتمبر 1932م.

كان قرار تعيين شريف مكة وأمير الحجاز يصدر من الباب العالي بالأستانة. وبعد وفاة الشريف عون الرفيق، الذي كان موغلاً في الاستبداد والأوتوقراطية والتفرد بالحكم، عام 1905م، عيّن السلطان عبدالحميد، علي بن عبدالله بن محمد باشا أميراً على مكة، تجاوزاً لمن هو أحق في تراتبيّة مؤسسة الشرافة – لكن انقلاب الضباط عجّل بعزله لرفضه اعلان الدستور العثماني بولاية الحجاز، واستعانته الواهنة ببعض الأسماء الدينية لتبرير تعنّته – فأرغم الضُباط، السلطان عبدالحميد، تعيين بديلاً له هو الشريف عبدالاله بن محمد، الذي لن يلبث الا ويتوفي في طريقه من تركيا للحجاز لاستلام العرش، ليعُيّن الشريف الحسين بديلاً تمهيداً لتطبيق الأخير لأجندة حزب الاتحاد والترقي الدستورية والاصلاحية بولاية الحجاز [2].

كان الشريف حسين بن علي -وهو قائد عروبي ورجل حُر الضمير- يقيم قبل ذلك في منفاه باسطنبول لخلافاته المتكررة مع عمه عون الرفيق ، طيلة ستة عشر سنة.. يُرافقه بالمنفى من أكابر أهل الحجاز الشريف عبدالإله بن محمد، وأخيه ناصر بن علي (الذي عُيّن عضواً بمجلس الأعيان العثماني فيما بعد)، وحيدر بن جابر بن عبدالمطلب آل غالب، وجعفر بن جابر بن عبدالمطلب آل غالب، والسيّد أحمد أسعد (وكيل الفراشة السلطانية)، والشيخ محمد ظافر الطرابلسي المغربي النقشبندي (مرشد الحضرة السلطانية) وبنوه، والسيّد ابراهيم نائب الحرم.. ومن المنفيين لخلافاتهم المتكررة مع عون الرفيق أيضاً: الشيخ عابد مالكي مفتي المالكية، والسيد عبدالله زواوي مفتي الشافعية، (أما عبدالرحمن سراج مفتى مكة الأكبر فقد نُفي الى مصر، كما طُلِب الى صاحب مفتاح الكعبة الشيخ عبدالرحمن الشيبي أن يسكن منفياً بالهدا بالطائف)… وكان من كبار العرب ممن يقيم بإسطنبول على عهد عبدالحميد: السيّد فضل أمير ظفار وابناؤه، والسيّد محمد أبو الهدى الصيّادي نقيب حلب.

رافق اعلان الدستور في أقاليم “الخلافة” العثمانية، اعادة انتخابات مجلس المبعوثان العثماني (البرلمان النيابي الاتحادي) ومشاركة الأهالي في انتخابات رمزية تكللت في 4 نوفمبر من عام 1908م، بفوز: عبدالله سِرَاج (عن مكة والطائف)، والسيّد عبدالقادر هاشم (عن المدينة)، وقاسم زينل علي رضا (عن جدة) [3].

كان الدستور الجديد عرساً يجري الاحتفال به يومياً بالحجاز، ويتردد صداه في جنبات الحرم.

ومن النشرات التي كان يوزعها عبدالرحمن باشا اليوسف، أمير الحج الشامي -وهو رجل عروبي مستنير وعضو في الاتحاد والترقي- الى الشريف حسين، ابان امارته على مكة، أبيات يقول في احدها:

ان كنت تبغي مُلك مكة فاعلمن .. ان المليك بها هو الدستور

ويكتب السيّد السقاف المكّي وهو أحد منفيي الحجاز الى سنغافورة، في مقال بمجلةالمنار لرشيد رضا تحت عنوان الحجاز بعد الدستور في مارس 1909م، ما يلي:

“بُعِثَ الدستور بعد أن قُبر، بذلك كذَّب الله أعداء الإسلام الزاعمين أن الشورى غير ملائمة لروح الإسلام، فهل سبق أن رأوا أمة قد أكل عليها الاستبداد وشرب زمنًا طويلاً، فما هي إلا عشيةً أو ضحاها حتى استحالت الصهباء، فأصبح أفرادها بحمد الله إخوانًا، لا فضل لأحمر على أسود إلا بتقوى الله، قد ألف الله بين قلوبهم .. ان اعلان الدستور .. صان كيان الأمة ودماءها وأموالها وشرفها.”

كان السقاف يفلسف فائدة الدستور على ولاية الحجاز “لكونه أول ولاية عثمانية، وهو قبلة المسلمين كلهم، ومحل أحق بلاد الله بالإصلاح والمصلحين، وإصلاحه يفيد الدولة فائدة عظمى، وهو أوجب عليها من إصلاح غيره بحكم الشرع والعقل.”

ولكن دعونا نعود للصورة – ونسأل -على سبيل الاستئناس- ممن تتكون؟

يعتلي المنبر على الأغلب الشيخ أحمد بن عبدالله مرداد، وهو شيخ الأئمة والخطباء حينها (ومشيخة الأئمة والخطباء حُصرت في آل مرداد الأحناف، أعرق بيوت مكة بباب الدريبة، منذ مشيخة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن مرداد، المتوفي عام 1841م، وحتى الشيخ عبدالملك مرداد الذي ظل اماماً للحرم المكي حتى بدايات العهد السعودي).

ويتصدر المصلين الشريف الحسين بن علي، أول الأشراف “الدستوريين” بمكة، بعمامته الفاحمة!

وكانت سفينة الشريف حسين قد رست في ميناء جدة في أول اسبوع من ذي القعدة سنة 1326هـ (ديسمبر 1908م).. وأعلن أميراً على الحجاز في سرادق ضخم بحي الهجلة.. “كان يضم كل من بمكة وكل من بالطائف ومن لحق به من أهل المدينة” كما يذكر ابنه عبدالله بن الحسين في مذكراته!

وحتماً يجلس بالصف الأول صاحب الدولة والي الحجاز، المشير التركي كاظم باشا، وأعضاء هيئة الولاية الأتراك.

ويتصدر الصفوف الأولى الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن سراج، قاضي قضاة مكة، وزعيم “الأهليين” فيها، الذي كان يحضر آخر خطبة قبل سفره للاستانة عن طريق مصر،  في 13 ديسمبر من عام 1908م، لتمثيل مكة في البرلمان العثماني الجديد [عاد أدراجه في نصف الطريق وعُيّن بديلاً له في مقعده الشاغر حسن الشيبي].

كان الشيخ عبدالله سراج يناهز الخامسة والثلاثين عاماً، يمثل جيلا ثالثا من عائلة مكيّة تقلدت أرفع منصب ديني رسمي حينها: أي زعامة الإفتاء الحنفي (المذهب الرسمي). والده الشيخ عبدالرحمن سراج، كان أحد عالميّن في مكة يُشد لهما رحال طلبة العلم من العالم الاسلامي لطلب الاجازة بالقرن التاسع عشر الي جانب أحمد زيني دحلان، ولكنه لاعتبارات سياسية سيُنفى من قبل الشريف عون الرفيق في مطارح النوى الى مصر. وستكتب أقدار السياسة الساخنة لابنه عبدالله مجداً مغايراً، اذ سيُعيّن لاحقاً رئيسا لمجلس وزراء الحجاز [مجلس الوكلاء]، وقاضيا للقضاة يحمل لقب “حضرة حجة الأمة صاحب الجاه”، ومن ثم بعد رحيله للأردن مع الشريف عبدالله بن الحسين، سيعُيّن رئيسا للحكومة الأردنية عام 1931م.

وحتماً يتواجد في طليعة هذا الحشد: الشريف ناصر بن علي، أخو الشريف حسين، ووكيل أمير مكة. ورجال الأهليين الى جانب عبدالله سراج؛ منهم الشيخ محمد سعيد بابصيل، والسيد عبدالقادر الشيبي (سادن الكعبة)، وابناؤه حسن وعبدالله الشيبي.. وكبار عشائر عتيبة يتقدمهم جابر بن هليل الذئيبي السعدي، رئيس عشيرة الثبتة، ورؤساء عشائر حرب يتقدمهم ابن عسم أمير واحة خليص، ومشائخ عشائر هذيل.

وحتماً هناك أبناء الشريف: علي (27 سنة) وعبدالله (26 سنة) وفيصل (25 سنة).. والفريق عمر شاكر باشا المرافق السلطاني الذي حمل فرمان التعيين، ومرافقي الحسين: الشريف دخيل الله العواجي، الشريف محمد الشنبري، ومدير الحرم: حافظ أمين أفندي.. ومعلمو أبناء الشريف: صفوت باشا العوا، ومحمد شاكر أفندي امام الامارة.

وحتماً كان يجلس بالصف الأول، شهبندر تجار الحجاز ممن كان في طليعة مستقبليه ببورسعيد: الشيخ عبدالله باناجه باشا، وأخوته عبدالرحمن باناجه، وأحمد أفندي باناجه.

ومن كبار رجال الحاضرة: الشيخ يوسف سالم قطان (رئيس بلدية مكة عام 1912م ووزير النافعة فيما بعد، ومؤسس الشارع “اليوسفي” الذي سُمي باسمه في مكة وكان العصب التجاري الرئيسي، ووالد الشيخ عبّاس القطان الوجيه المكّي المعروف وأول أمين للعاصمة مكة بالعهد السعودي).. والسيد أحمد علوي السقاف (مدير الديوان الهاشمي الأميري في الحجاز فيما بعد).. وعبدالله زواوي (رئيس مجلس شورى الحجاز في عهد الهاشميين فيما بعد).. والسيّد صالح شطا، العالم الحجازي الجليل الذي عُرِف بالصراحة وعدم المواربة في قولة الحق والعضو الناشط في جمعية الاتحاد والترقي (ومن سيصبح بالعهد السعودي رجل “الشورى” الأول، وبمثابة رئيس مجلس الشورى الذي اصدر العديد من الأنظمة التأسيسية التي قامت عليها الدولة السعودية في بداياتها).. وعمر أحمد كمال (قاضي الطائف).. والشيخ علي المالكي (وزير المعارف فيما بعد).. والوجيه محمد ماجد الكُردي.. والسيّد ابراهيم نائب الحرم، وسليمان نائب الحرم، وأحمد نائب الحرم (جد السيّد أحمد عبدالوهاب رئيس مراسم الملوك فيصل وخالد وفهد آل سعود فيما بعد).. والشيخ عباس عبدالعزيز مالكي (والذي سيعينه الشريف حسين فيما بعد مبعوثاً للحجاز بالقدس – وهو جد الشيخ محمد علوي مالكي).. وشرف رضا.. وأمين عاصم.

حتماً كان من الحضور ثلاثة من كبار علماء الأحناف بالمسجد الحرام: الشيخ درويش عجيمي، والسيد محمد المرزوقي أبو حسين، والشيخ أحمد النجار، واثنان من كبار الشافعية: الشيخ عمر باجنيد والسيد عبدالرحمن زواوي. واثنان من كبار علماء المالكية: السيد عباس مالكي والشيخ جمال مالكي. وآخرين: السيّد علي كتبي، الشيخ سعيد بن محمد يماني، بكر عبدالرحمن صباغ، سالم البار، أسعد الدهّان، وعبدالله صدقة زيني دحلان.

وحضره رجال السياسة بمكة: عبدالملك الخطيب، حسين باسلامة (سكرتير مجلس شيوخ الحجاز فيما بعد)، عبدالقادر غزاوي (رئيس مجلس الشيوخ الحجاز فيما بعد)، وعبدالله بن صديق.

وحتما كان يتواجد ممن مكث من وجهاء أهل المدينة الذين انضموا لاحتفالات الهجلة: الشيخ يوسف خشيرم (وكيل الشريف حسين بالمدينة المنورة)، والشريف شحّات (مندوب الشريف لشئون قبائل حرب وجهينة).. ومن رجالات المدينة نخمّن حضور: زكي بن أحمد البرزنجي، عمر كردي (مفتي الشافعية)، ابراهيم الاسكوبي، عبدالقادر هاشم، مأمون بري، أحمد الكماخي، السيد أحمد الصافي الجفري، سعود دشيشة، عبدالجليل مدني، أنور مصطفى عشقي، ذياب ناصر (باب عرب المدينة)، محمد حسن سمان، محمد محمود صالح الاخميمي، ومحمود عبدالجواد!

وحتماً حضره من أشراف عشيرة الشريف ذوي عون: محسن بن عبدالله بن محمد، واخوه عبدالله، وجميل بن ناصر بن علي بن محمد (عضو مجلس الأعيان فيما بعد)، واخوته عبدالمعين وزامل. وأشراف الطائف: الشريف زيد بن فواز بن ناصر، وابنه عبدالله، وابن اخيه شرف، وبنو حمود وشاكر وعلي.. ومن الفعور: حمزة بن عبدالله الفعر ومستور.. والشريف فتن بن محسن.. ومن أشراف تهامة: الشريف أحمد بن منصور، الشريف شرف بن عبدالمحسن، ومحمد بن عبدالمحسن، وناصر بن شكر، وسائر ذوي حسين. وأشراف المضيق (وادي الليمون): الحرّث، ومشائخ قبائل حرب وهذيل.

وحتماً حضره أولئك الرجال الذين سيقاتلون في الثورة العربية الكبرى بعد ثماني سنوات من الان: شرف بن راجح بن فواز بن ناصر (امير الطائف وحاكم المدينة فيما بعد)، وحسين الجودي، احد شرفاء ذوي جود الله. وفاجر بن شليويح العطاوي احد فرسان الروقة من عتيبة، والشيخ هوصان بن عصاي من شيوخ الروقة، وهوصان بن عفار المقاطي..

ولعل الشيخ عبدالعزيز بن جبر آل صبيخان الجدعاني الزبيدي المسروحي، شيخ شمل الجداعين، تواجد في أحد الجنبات.

ولعلنا نلمح أصحاب الدرك بمحطات الحج بالطريق السُلطاني: مندوب قبائل بشر بن حمادي (عسفان).. الشيخ محمد بن عسم آل رومي (خليص).. مندوب آل طالي (القضيمة).. مندوب ذوي حمد الكريتي وبن مبيريك الغانمي (رابغ).. مندوب آل سليمان (مستورة).. وبن بكري الصبحي (بئر الشيخ)، والشيخ عبدالمعين بن حصاني (أبيار بني الحصاني).. والشيخ خليل بن حذيفة الأحمدي -وهو حفيد الفارس الشهير سعد بن جزاء الأحمدي- (المسيجيد).

أما من أعيان جدة فلعلنا نلمح: الشيخ أحمد ناظر.. سليمان قابل (مدير بلدية جدة).. قاسم زينل علي رضا (مُرشح جدة بالبرلمان العثماني)، وأخيه محمد علي زينل علي رضا (مؤسس أول مدرسة نظامية بالحجاز في 1905م)، وعمّهما الشيخ عبدالله علي رضا (قائمقام جدة فيما بعد).. والشيخ سليمان أبو داود، أحد أكابر أهل جدة وشيخ طائفة البحّارة (المعادي)، وأحد كبار ملاك المراكب الشراعية، وبيرقدار (حامل العلم الرسمي)، وصاحب “برحة أبو داود” بجدة – زعيمة البرحات في جدة.. والشيخ عبدالرؤف جمجوم.. وعلي هاشم سلطان (مدير البرق والبريد فيما بعد وأول رئيس لنادي اتحاد جدة).. والشيخ محمد الطويل (ناظر رسوم جمارك جدة، ووزير مالية الحجاز فيما بعد، ورئيس الحزب الحجازي الوطني عام 1924م).. ومحمد نصيف، وكيل آل عون في جدة.. والشيخ الطيب الهزّازي.

وحتماً حضره من الشباب اليافع: محمد طاهر الدباغ، وعبدالرؤف الصبان – وأصغر منهما قليلاً: الطيّب الساسي، وعبدالحميد الخطيب، وعبدالرحمن بشناق – من جملة الشباب الذي سيلتئم بكل اخلاص وطني وشجاعة نادرة مع أقطاب الحجاز في الحزب الحجازي الوطني، بعد ستة عشر سنة من الآن، لإجبار الشريف الحسين، الذي سيفرط فيما بعد في “أوتقراطيته” واستبداده بالرأي لكبر سنّه، للتنازل عن عرشه، واعلان أول حكومة دستورية بالحجاز عام 1924م.

وكانت الأقلية الجاوية (الملاويّة) في مكة من أكبر الأقليات العرقية تواجداً وتمايزاً – لوفرة أعدادها، وعلو نشاطها وتأثيرها.. وثراءها.  كانوا في مطلع القرن الماضي، الأكثر نشاطاً اجتماعياً ومدنياً ونقابياً. من زعمائهم الذين نخمّن تواجدهم: آل أشعري، وآل عبدالشكور، ومحمد وعلي فطاني، ومحمد زيني، واسماعيل مندورة، ونفر من آل كمفر، وبتاوي، وسلمقون، وسنبل، ودوم، وربما عبدالحميد واسماعيل بوقس، وحتماً محمد نور جوخدار نقيب الجاواة في مكة.

ولعلنا نلمح من المطوفين البارزين: آل أزهر؛ ابراهيم أزهر (مسؤول التكيّة المصرية فيما بعد)، وعبدالقادر أزهر، وسليمان أزهر (مسؤول الحرم المكي الشريف)، ومحمد علي بنقش، والشيخ محمد علي طالب الذي وصفه الشريف عبدالله بن الحسين في مذكراته بـ “ذلك الرجل البشوش الضحوك”، وعبدالرحمن جمال،  وأحمد مظهر، وعبدالحى عابد قزاز، وأحمد المشاط!

كما حضره من تكوينات المجتمع المدني في بكورها، عُمد الحارات وشيوخ المهن والطوائف ورؤساء النقابات: شيخ محلة الشبيكة الشيخ أحمد ميرزا، وأهالي محلة المسفلة وشيخهم، وشيخحارة الباب ولعله حينها الشيخ عبدالله صالح قطش، وشيخ محلة سوق الليل، وشيخ طائفة النحاسين، وشيخ طائفة الفرانة، وشيخ طائفة الحبّابة، والشيخ محمد سعيد جستنية عن العطارين (وهو والد حسين جستنيّة الذي وضع اول ميزانية رسمية للدولة السعودية عام 1948م)، ومجلس نقباء السادة العلويين بمكة يتزعمهم السيّد علوي بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد السقاف الشافعي المكّي الذي عاد من منفاه، والسيّد حسين عبدالله العطّاس والسيّد علوي بن عقيل.. ثم لعله هناك الطبيب رمزي عن الجالية الأرنؤطية [الألبانية] في مكة، وممثلي جاليات حجاج بنغالة وحجاج الهند وحسين فلمبان عن حجاج فلمبان والصين وأهالي حجر الجاويين.

ومن تجّار مكة هناك على الأرجح:  أحمد علي بوقري -كبير التجار-، عبدالوهاب بغدادي، يحيى عطار، عباس قرملي، عبدالوهاب يحيى صالح قزاز (صاحب الشركة الوطنية لتجارة الحبوب بالشاميّة)، بكري يحي صالح قزاز (كبير تجار الأقمشة)، محمد باحمدين (من تجار الأقمشة)، الشيخ محمد حسن فارسي (شيخ الجواهرجية بمكة منذ 1907م)..  ولعل كبار أثرياء مكة: حسني قامة، وصدقة كعكي – كانا لايزالان في بدايات كفاحهما!

ومن رجال الإدارة نلمح: عبدالحي قزاز (وكيل البلدية فيما بعد)، وأحمد سُبَحي.. ومن رجال الأمن: الملازم إسماعيل قزاز (وقائمقام محافظة العلا فيما بعد).

وحتماً من رجال الصحافة المتواجدين: الشيخ محمود شلهوب الزمزمي (مُترجم الأخبار التركية في صحيفة حجاز الصادرة في مكة عام 1908 من قبل الاتحاديين ومن أوائل من عمل بالصحافة من الأهليين)، وفؤاد توفيق المكي (مؤسس ورئيس تحرير صحيفة شمس الحقيقة في مكة)، وأبوبكر داغستاني، من أوائل رجال الصحافة بالمدينة المنورة. ولعله كان ينضم اليهم السيد حسين عبد الغفار، الطبيب المحلي، الذي كان يهوى التصوير الفوتوغرافي إلى جانب مهنة الطب البشري، حتى انه قام بافتتاح أول استديو تصوير بمكة حيث كان يلجأ إليه العديد من الشخصيات لالتقاط الصور التذكارية – وهو قد ورث التصوير من والده السيّد عبدالغفار البغدادي صاحب أولى الصور للحرم المكّي التي يعود تاريخها الى عام 1889م وموجودة بجامعة لايدن.

- الهوامش:

[1]: لعل من المفارقة أن يكون مدحت باشا قد نُفي من قبل العثمانيين الى الطائف حتى مات ودُفن فيها، ويذكر أحمد السباعي -شيخ الصحافة السعودية ومؤرخ مكة- أن وفداً رسمياً من الأتراك قد زار الطائف، بالخمسينات الميلادية، لاستعادة رفاته واعادة دفنه بشكل رمزي في مقابر العظماء باسطنبول كنوع من الاعتذار ورد الاعتبار.

[2]: مُقتطفات من القانون الأساسي للدولة العثمانية (دستور 1908م) [وما بين الأقواس من عندنا] :

جاء في المادة (8)، تحت باب “حقوق العثمانيين”: يُسمى كل رعايا السلطنة بدون امتياز بعثمانيين مهما كان دينهم. [كانت صنوف الناس في عام 1908 بحسب مصطلحات الفترة: مسلمون وإفرنج ويهود - وكان بين المسلمين: أهل السنة وعلماؤهم، والشيعة ومجتهدوهم، والمقلدون، والمستقلون، والصوفية، والأحناف، والوهابية، والمتفرنجة (الليبراليون) - وأعراق متنوعة لا تحصى ولا تُعد].

(9) يتمتع جميع العثمانيين بالحرية الشخصية بشرط ألا يضروا الآخرين.

(10) ان الحرية الشخصية لا يتعدى عليها مُطلقا.

مجلس الأمة مكون من مجلس أعيان ومجلس مبعوثين.

يجتمع المجلسان في أول نوفمبر من كل سنة ويفتح بارادة سنية [سلطانية] ويقفل في اول مارس بارادة سنية أيضاً.

(60) الحضرة الشاهنية (السلطان) تعين رئيس مجلس الأعيان واعضاؤه.

(62) وتكون مدة العضوية [في مجلس الأعيان] مدى الحياة. و(63) ومعاشهم عشرة  الاف غرش في الشهر. و(64) مهمة مجلس الاعيان تنحصر في فحص مشروعات النظامات والقوانين والمصاريف والمداخيل التي يرسلها له مجلس المبعوثين.

(65) وخصص نائب واحد في الاقليم عن كل خمسين ألف نفس من الذكور من الرعايا العثمانيين. و(66) يتم الانتخاب سرا. (و67) لا يمكن الجمع بين النيابة واي منصب عمومي آخر.

و(69) مدة انتخاب عضو المبعوثين هي أربع سنوات، يمكن بعدها تجديد انتخابه. و(70) الانتخابات العمومية تبدأ قبل نوفمبر بأربع أشهر .

(76) يدفع لكل نائب عشرين آلاف غرش عن كل سنة. ومصاريف الذهاب والاياب.

مهمة المجلس (80) التفاوض بالمشروعات النظامية والقانونية التي تقدم اليه ويقرر الامور المتعلقة بالمالية أو بغيرها أو برفضها وكذلك المتعلقة بالنظامات الأساسية ويبحث بالتفصيل عن المصاريف العمومية ويعين المبالغ مع الوزراء، ويعين معهم أيضاً الأموال التي تقابل المصروف مع مبالغها وكيفية توزيعها وجمعها (القانون الأساسي).

[3] واستأثر تردّي الحالة الأمنية في ولاية الحجاز باهتمام نوابه في البرلمان. فقد تحدث نائب الحجاز، قاسم زينل أفندي في جلسة 13 فبراير 1909 عن حالة الاهمال التي تعاني منها ولاية الحجاز على الرغم من المكانة الكبيرة التي تحتلها في نفوس المسلمين، وبيّن أن هذا الإهمال أدى الى وقوع اضطرابات في مكة وانتقد السلطات الحكومية لنفيها وقوع تلك الحوادث ومن ثم عودتها للاعتراف بها جزئياً، كما تحدث عن المشاكل الموجودة في بادية المدينة المنورة، واحتجاجات القبائل بانقطاع مخصصاتهم السنويٌة  بالاغارة على قوافل الحجاج تمرداً على الحكومة المركزية، وقد دعا زينل السلطات الحكومية الى اعادة الاعتبار لزعماء عشائر حرب وجهينة، وتقديم إيضاح حول حالة الانفلات.