سأخنق الحقيقة حتى تنطق!!

المصدر : جزيرة الجزيرة

سأخنق الحقيقة حتى تنطق!!
د. زهير محمد جميل كتبي

سأخنق الحقيقة حتى تنطق، كان هو عنوان لمقالي الذي نشر بجريدة البلاد، بالعدد (16327)، يوم الجمعة 10-2-1422هـ، بالصفحة (19). وهو عبارة عن صفحة كاملة نشرت كأولى المداخلات على مكاشفات أخي وصديقي الحبيب سعادة الأستاذ محمد سعيد طيب، والمشهور بأبي الشيماء. وهو أيضا.. (قامة فكرية).. أعتز بها.

والطيب في نظري هو.. (هضبة ثقافية شامخة).. وهو ذو ذهنية ضخمة، وهو اسم في ساحتنا الإصلاحية والثقافية، وقدم الكثير من التضحيات الكبيرة التي شكّلت له أزمات حادة يصعب على أي مثقف تحملها ابتداء من عام 1964م حتى عام 2005م. تلك الأزمات كلفته الكثير.
كانت مقالتي تلك هي دراسة نقدية لشخصية وفكر وثقافة الطيب. وليس من المصادفة أن احتاجت النخب التي تؤدي دور المثقف المصلح الاتكاء على ..(سلطان مساند).. يكون ذلك السلطان المساند هو من نوع.. (العصابات المؤجرة).. التي تحقق رغبات مقابل بضعة دراهم معدودات.

وهذا ما وقع معي - حينذاك - حين غضب مني أخي أبو الشيماء، ولكن لم يواجهني بغضبه ذلك، ولكن كأنه استأجر نفراً من تلك..(العصابات المستأجرة).. وبدأ ذلك..(النفر).. في أكل ونهش لحمي ومزقوا جسدي بما قالوا عني في مجالسهم بيد أنه لم يتجرأ أحدهم لمواجهتي مواجهة علنية. وهؤلاء ما انطبق عليهم تلك المقولة التي تقول: ((الذي لا رأي له، رأسه كمقبض الباب، يستطيع أن يديره كل من يشاء)). والله، وأقسم بالله، لقد تعبنا من الانتهازيين.

ويومها قلت لهم، وأعني أولئك المستأجرين، المقولة: ((ليس شجاعاً ذلك الكلب الذي ينبح على جثة الأسد)). نعم كانت عقولهم ضيقة فضاقت عليهم الدنيا الواسعة. لقد غضب بعضهم حتى أعماهم غضبهم عن الحق، وتفجرت عيونهم.

في هذا المقال لم ولن أستخدم ذكر أي اسم من الأسماء؛ حتى لا أقع في الحرج، بل وضعت ورسمت وكونت أوصافاً وصفات، من حق كل من يجد في نفسه الكفاءة أن يتفضل مشكوراً ليضع لنفسه الوصف المناسب له. ولقد قمت بوضع.. (((قفص))).. حديدي في شارع الصحافة المجاور لصالون الثلوثية فمن يجد في نفسه الكفاءة والجدارة فليدخل ذلك القفص بإرادته المحضة. فأنا لن أزج بأي أحد إلى داخل قفصي. ومن البداية أريد أن أثبت ما هو مثبت، وأؤكد ما هو مؤكد عندي وربما عند غيري.

أن أعضاء صالون الثلوثية ليسوا من العشرة المبشرين بالجنة، ولا هم من أهل بدر الذين غفر لهم ما تقدم وما تأخر من الذنوب. ومن فيه من الرجال ليس منهم من أهل.. (الصفة).. ولا أعرف من بينهم أحفاد سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه باعتباره كبير أهل الصفة. وأذكرهم بأنه لا عصمة إلا للنبي.

أنا مثل (روبنسون) حين قال صائحاً بأعلى صوته: ((اتركوني عرياناً.. فأنا لا أخجل من قول الحق)). فالحق هو الشيء الوحيد الذي محال أن يخجل إذا تعرى؛ لأنه الوحيد لا عورة له ولا عيب فيه.

ويعلم الجميع أنه ليس على رأسي ريشة حتى أخاف أن أبوح بحقيقة عن هذا الصالون الحضاري؛ لأنه ليس مجلس الأمن الدولي.

ويعرف الجميع أيضا أن بيتي ليس من زجاج، ورغم هذا فلن أقذف أحداً بالحجارة؛ لذلك قررت كتابة هذا المقال الصريح.

ربما شعرت بأنني..(شوكة).. عالقة في حلق بعض المثقفين والكتاب ومراسلي الصحف.

كما أنني لا أسعى، ولا أحب أن أحفر حفراً لغيري حتى يسقط فيها، بل تجدني أصارح، وأنبه، وأحذر، وأشعر، وأقول حقائق تساعد بعضهم على الصحو من سباتهم العميق. وأرجو أن يفهم البعض أنه ليس كل من أكل لحم الخيل أصبح فرساً.

وعليكم أن تعلموا العلم اليقين أنه ليس كل صحفي مثقفاً، وليس كل مثقف صحفياً، وليس كل كاتب مثقفاً، وليس كل مثقف كاتباً.

إن صالون.. (الثلوثية).. يُعدّ في نظري أحد أهم الصوالين الثقافية في بلادنا، ولكنه في السنوات الخمس الأخيرة تراجعت مكانته وأهميته لأسباب عدة، أهمها في تقديري أن بعض - وأؤكد وأركز على كلمة..(بعض).. الكبيرة - المرتادين لهذا الصالون المحترم هم من الدخلاء على أهل الثقافة؛ فهم مجرد مراسلي صحف، وناقلي كلام، بل اشتهروا بفن.. (اللغوصات).. و..(فعل النميمة).. ومتخصصون في أكل لحوم البشر، وكأنهم.. (النمنم).. ذلك الوحش الأسطوري. إنهم الذين يستمتعون بالظهور على حساب الكبار. وبعضهم يزعم أنه من كبار الخبراء والكتاب الشرعيين والفقهاء والعلماء، وهو في حد ذاته لا يفقه إلا في كتاب الفقه والتوحيد والتجويد الذي يدرس في المرحلة المتوسطة. وبعضهم جاء ليأكل (الكروبو) و..(البليلة).. فأنا أول من قال هذا الوصف وذلك في حديث حواري صحفي طويل أجراه معي الصحفي المتمرد والشجاع الأستاذ أحمد عدنان ونشر في جريدة اليوم بالعددَيْن: (10353، 10360)، يوم الجمعة 3-8- 1422هـ. ويوم الجمعة 10-8-1422هـ. وبعضهم جاء فقط ليشرب الشيشة والمعسل البلاش التي يقدمها لهم أبو الشيماء مجاناً.

فلا تغضبوا يا بني قومي مني اليوم، ولا تغضبوا من العرفج فالتاريخ لن يرحمكم، ولن يرحمنا، إذا صمتنا على باطل يأتينا من بين أيدينا. فسوف يحفظ التاريخ كل هذه المعارك الصحفية والثقافية كما حفظ من قبل معارك العواد وابن بلهيد وحمزة شحاتة ومحمد سرور الصبان والسفود التي كانت بين الرافعي والعقاد، وغيرها من المعارك الأدبية والفكرية والثقافية بين الدكتور زكي مبارك وطه حسين وغيرهما، وكما حفظ لنا التاريخ المعارك الشهيرة بين الفرزدق وجرير وغيرهما. وأنبه أولئك النفر الغاضب بأنه قد رحل زمن أسلوب (شيلني وأشيلك).

فما قاله العرفج اليوم في مقاله قلته قبله بعشر سنوات، ولكن الغضب اليوم على العرفج اختلف اليوم، لأن العرفج تنطبق عليه الآية الكريمة {وشهد شاهد من أهلها} فهو من أهل الدار والمقربين لصاحب الدار!

اليوم، أكتب وبصوت علني ومرتفع بعد أن أعاد أخي الأستاذ محمد سعيد طيب نشر وطباعة كتابه الشهير (متفقون.. وأمير..! الشوري.. والباب المفتوح.. والمستقبل) الذي صدر عام 1991م. وهذه الطبعة الجديدة كتب مقدمتها الرائعة الباحث السعودي الدكتور عبد العزيز الخضر، مؤلف كتاب (السعودية.. سيرة دولة ومجتمع). وهذه المقدمة الرائعة استوقفتني كثيراً، وهي سبب رئيس من أسباب كتابة هذا المقال؛ لأنها تؤكد صحة رؤيتي وآرائي التي كتبتها منذ عام 1422هـ، أي بعد مرور عشر سنوات عليها.

استولد الدكتور عبد العزيز بطله الطيب من عالم الضرورة، بهدف أن يكون كتاب (مثفقون وأمير) كما يجب أن يكون، كما طلبت أنا في مقالي المذكور عام 1422هـ؛ لأنني أردت من أخي محمد سعيد طيب أن يكون جديراً بمسؤولية المثقف المصلح.

إنني بشكل أو بآخر أقوم بإطلالة من داخل مقالتي السابقة، التي انتقدت فيها أخي أبا الشيماء، محاولاً ألا أتخلى بطبيعة الحال عن تخصصي المنهجي الذي اشتهرت به في الشجاعة والجرأة بقول الحق. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: ((لم يُبقِ لي الحق صاحباً)). فأنا لا أريد أصحاباً كاذبين، منافقين، مدلسين، طبالين، نمامين، يلبسون كل أقنعة الوجوه التي يلبسونها حسب المناسبة. نعم.. لا أريد أصحاباً مدلسين، غشاشين؛ حتى لا أصرخ صراخ أخي أحمد العرفج.

غضب، وانفعل، وتوتر، وهاج، وأزبد البعض من المقال الذي كتبه أخي الأستاذ أحمد العرفج بعنوان (الشيشة الاستراتيجية)، الذي نشر بجريدة المدينة بعددها (17410) يوم الخميس 17-1-1432هـ صفحة (14)، وحضرت جلسة مجلس الثلوثية في اليوم التالي الجمعة 18-1-1432هـ، وحضر العرفج، وعملت له جلسة.. (استجواب).. هكذا سميتها أنا، وكانت جلسة حضارية وراقية لم يتجاوز فيها أحدٌ على أحد. واختلف، واتفق، مع العرفج جلساء الثلوثد=ية ولم يعتذر لأحد كما قيل وأشيع. وكنت أول من تحدث في تلك الجلسة الرائعة وقلت: إن ما كتبه أحمد العرفج يمثل رأيه الشخصي، وهذه حريته، ومن حق الجميع أن يقبله أو يرفضه، ولكن لا بد لنا أن نكون حضاريين في قبولنا للرأي الآخر. وقلت: علماً بأن الأخ أحمد العرفج انتقدني بشدة في كثير من مقالاته، ولكن لم أغضب منه، ولم أنفعل ضده، ونحن أصدقاء حتى اللحظة. وقلت: يا جماعة! لقد انتقدنا نحن معشر المثقفين والكُتّاب العلماء والأمراء والوزراء وكبار المسؤولين ولم يبقَ أحدٌ لم ننتقده، فمن باب أولى أن ننتقد بعضنا بعضاً، وهذا أمر صحي. وقلت يومها: أنا أتفق مع كثير مما قاله العرفج في مقاله. وفي مداخلة أخرى قلت: أتمنى بعد هذا الاستجواب الجميل أن نخرج من هنا أصدقاء وإخواناً وقد ذهب احتقان البعض وتبدد غضبهم. وبعد أيام قليلة تغير الحال والمحال بعد أن قرأت مقالات في الصحافة تعكس تلك الروح، وقلتُ لنفسي: إذا أكل السمك بعض السمك فماذا بقي للسماك؟! وأقول لهم: صار حالنا مثل الأسماك؛ فسمك يأكل بعضه بعضاً فماذا بقي للسماك؟

وهذا الكلام يفهمه من كان في سنة أولى حضانة ثقافية.

أنا أتسامح، وأسامح، ولكن.. لا أنسى! و..(النسيان).. غير ممكن عندي في قاموسي. وليس في قلبي غل على أحد، ولا أحمل ضغينة على أحد.

يا جماعة! يا أهل الثقافة.. يجب، بل لا ينبغي أن ندعي الكمال؛ فكل واحد منا يؤخذ منه ويرد عليه، وهذه من سنن وطبائع الحياة، فأفيقوا من سباتكم رعاكم الله.

إن الواقع الثقافي لا يشكَّل بالاتفاقات والتقاربات والتواد، ولكن في الأساس يشكَّل بالأعمال الثقافية والفكرية لآلة العقل المعقدة. فكما قلت إنني أحاول ما وسعني الجهد أن أكون واقعياً فأدافع بحق عن آرائي وأفكاري السابقة في مقالتي مدار الحديث.

قلت في مقالي: ((مثل قولك في الحديث التلفازي في قناة المستقبل إن المثقف له أربعة عشر لوناً، ونسي نفسه أنه تلون وحمل نفس ذلك العدد من الألوان واستدل بكتابه (مثقفون.. وأمير..! الشورى والباب المفتوح.. والمستقبل).. تأليف ياسر محمد سعيد.

فأقول له: هل هذه من أخلاق المثقف، أن يتهرب من المسؤولية ولا يضع اسمه الحقيقي على منتج ثقافي كتبه بيده، وقد اعترفت يا أستاذ محمد أمام المشاهد العربي بأن هذا الكتيب هو لك وأنت من كتبته، واليوم أكدت قولك في حديثك لجريدة البلاد، واعترفت بأنك مؤلف هذا الكتيب.. فأين قيم وأخلاق ومثل المثقف النبيل؟ إذن أنت أحد المثقفين المتلونين الذين يهربون من تحمل المسؤولية، خوفاً من العقوبة أو.. أو.. أو..

في مثل هذه الحالات يفقد المثقف مصداقيته ويُعرَّى من أسلحته، وتضعف أدواته، وتصاب منظومة قيمه الثقافية بالعطب والشروخ، وتؤدي إلى تعرية العلاقات التي يقيمها مع أفكاره ومفاهيمه، إنه فشل الأفكار بالذات مثلما وقع مع الكاتب البيروفي (ماريو فارغاس لوزا).

إن ادعاء الثقافة لا يعني فقط الانتماء إلى النخبة المثقفة، بل التأكيد باهتمام بشؤون الحقيقة والحرية والشأن العام كما أكد هذا الأستاذ علي حرب حين قال: ((إن مشكلة المثقف تعد أن كل ما جرى من كوارث وانهيارات لم تعد مع الواقع، ولا مع الدول والأنظمة، بل هي مع أفكاره بالدرجة الأولى. إنها تكمن بالتحديد، في طرائقه العقيمة أو الفاشلة في التعامل مع الحقيقة التي يدعي النطق بها، أو مع الحرية التي ينادي بها)).

ويومها أيضاً قلت لك: ((أخي الأجل، أبا الشيماء، أعرف أن مقالي هذا سوف يضايقك كثيراً، وقد لا تخفي سخطك علي في أحاديثك القادمة، وبالذات في صالونك الشهير، ولكن لا بد أن تتفق معي أن زهير كتبي من يعترض على حديثك الذي خلا من الكثير من الحقائق، يُكنّ لك الكثير من الحب الصادق والود العالي، والصداقة النظيفة. أريد أن أحكي حقيقة غيبت من صاحبها. وأجزم بأنه من حقك أن تتحدث بما تريد، ولكن الحوار الذي أجري معك عنوانه.. «مكاشفة».. وأنت هربت وبسرعة من أسئلة هذه العملية ونسيت أو تغافلت أو ادعيت ذلك، وأنا أريد أن أقول لك ولغيرك من هم في دائرتنا نفسها إن هناك قضية أمانة، وهناك مسؤولية مليئة بالحقائق. وأشعر بواجب وطني ومهني أن أتحمل أمانة استعادة الحقيقة ولو أدى بي الدور إلى خنقها وليس حذفها. إن تحملي بهذه الأمانة ليس ميزة لي وحدي، بل هو واجب على كل من يعرفها، وأؤكد أنها عبء. لدي استعداد كامل على تحملها مهما بلغت الظروف والتحديات. وأجزم بأن الحقائق ستعود إلى نصابها، وسينتقل محمد سعيد طيب إلى حيز المسؤولية الكاملة فيعي بصدق وإيمان أهمية تجربته ورقي قضيته تاريخياً ووطنياً وثقافياً، إنه موقف حزين في حياتي أن أقول هذا عن صديق لي. ولكن لن أبتعد عن هذا الطريق)).

أتذكر يا أبا الشيماء أنني قلتُ لك أيضاً يومها:

((لذلك كنتُ أتمنى عليك أن تفصح عن الحقيقة؛ لتكون في موقع أقوى وأحسن من أولئك المرجفين والحاقدين وأهل الغيرة والحسد؛ لأن هذه الفضائل البغيضة تقف بجوار تلك المدافع المعبأة بطلقات النيران، وأشعر بأن بجانبهم يقف آخرون مستعدون لأن يطلقوا أكثر من أساليب القذف. لا بد من بدء مرحلة جديدة من القراءة والاطلاع للبحث عن دواخل هذه الفصائل البغيضة، الذين قلت عنهم في حديثك: «الذين يزعمون أنهم نصحوني هم أدعياء والموضوع أكبر منهم».. وهل تعرف يا أخي أبا الشيماء أن البعض من هذه الفئة الباغية قالت عنك إنك «مجنون» كما قالوا عني ذلك. وحتى نستطيع رسم حدود لأطرافهم؛ حتى لا يتخطوها فإن التخطي قد يشعل الأضواء الحمراء. إن هذه الفضائل تملك قدرة الاستفزاز، ولديهم خاصية التربص الشديد.

لقد اكتشفت أن هذه الفصائل على غير علم بالشأن الثقافي والفكري الذي يهمني ويهمك وغيرنا، ولا يعرفون من الثقافة إلا اسمها، ولا يفهمون عنها إلا أنها أداة الكتابة والتعبير. اكتشفت أنهم لا يعرفون أنها أهم مقومات الإصلاح والتنوير.

الغريب في أمر المثقف محمد سعيد طيب أنه اكتشف هذا الاكتشاف المهم، ولكنه تغافل عن مواجهة مقادير هذا الاكتشاف المهم في ظروف غامضة. وصالونه الثقافي جلس فيه البعض من هذه الفصائل. ولكن الطيب يصر على اختفاء بل تغطية الحقيقة في حديثه. هل لأنه لم يعمل جولات استطلاعية لمعرفة.. (خميرة).. تلك الفصائل؟ ولو فعل ذلك لم يخسر شيئاً بل لساعدته على استيضاح الكثير من النيات المختلفة)).

واليوم جاء أخي الأستاذ أحمد العرفج، جاء ليعترف ويشهد بشجاعة كاملة ما قلته لك قبل عشر سنوات وفصل تفصيلاً جميلاً، وعشر سنوات ليست قليلة يا أبا الشيماء في عمر الإنسان.

إنني أرى أن يسدل أخي أبو الشيماء.. (الشراع).. على دكانه.

وجاء أيضاً اليوم الدكتور عبد العزيز الخضر ليؤكد في مقدمته وجهة نظري في هذا الجانب فقال: ((كتاب «مثقفون وأمير..» كان ينقصه في الماضي أن يعلن المؤلف عن اسمه صراحة في الغلاف، فحتى لو عرف القارئ من مصادر أخرى من هو صاحب هذا الكتاب فستظل سلبية غياب هوية المؤلف مؤثرة على جمهور عريض؛ لأن الأفكار والرؤى لا قيمة لها من دون هوية كاتبها وتحمله مسؤوليتها في الحاضر والمستقبل.

المؤلف برر إخفاء اسمه على ظهر غلاف الطبعة الأولى بقوله «إن المبرر الوحيد لتغيير الاسم.. هو الرغبة الصادقة في تلافي أي تصور واهم.. بأن الهدف من الكتاب كان الرغبة في الظهور.. أو استعراض العضلات أمام المجتمع.. أو أمام أي جهة أخرى.. لا سمح الله! وهو تبرير يمكن فهمه كتواضع محترم من الكاتب، لكن أهمية إخفاء الاسم تبدو أحياناً في جوانب أخرى أبرزها الإشكال السياسي، وإذا كان هناك إيجابية تغري للكتابة باسم مستعار فإنها تحييد الموقف المسبق من الشخصية؛ فتتم قراءة الأفكار المطروحة من دون شخصنة؛ لأن البعض يهتم بالقائل أكثر من المضمون)).

وحين كتبت عن أخي أبي الشيماء قبل عشر سنوات لم أكن في مقالتي مغرقاً في التشاؤم، فقد قلت إن النمو الثقافي في بلادنا سوف يستمر بدون الصوالين الثقافية، ويشهد التاريخ الثقافي أن المحاولات الثقافية العشوائية للخروج من الأزمات الثقافية نادراً ما تنجح.

أكثر من ثلاثين عاماً خلق أبو الشيماء بطلاً تحريضياً ثقافياً، يتحدث عن إمكانات ثقافية مستقبلية.

الصالون له أكثر من ربع قرن وأنتم على طعام واحد وشخصيات متغيرة وبعضها متقلبة، ولم تتغير أفكاركم ووضعكم، بل المس كغيري أن هناك تراجعاً إلى الوراء، وغيركم يسير إلى الأمام. لقد تخلفتم وغيركم تقدم. كل ذلك بسبب ممارسات قلة القلة، لكنها مسيطرة وفاعلة. ولكن تلك القلة أصبحت كالقطط المتورمة الهائجة تخربش وتجرح وتخدش الناس في أخلاقهم ومشاعرهم وكراماتهم.

لم يكن لأخي الأستاذ محمد سعيد طيب لا الميل ولا القدرة المهنية على المواجهة؛ خوفاً من انتقادات تأتي من هنا وهناك فاتجه إلى فتح صالون الثلوثية، وأزعم أنه حقق له الكثير مما كان يطمح إليه من طموحات وآمال بغض النظر عن استراتيجيات التعامل مع الأزمات التي واجهت الصالون. وأقل تلك المكتسبات التي كسبها أبو الشيماء هي الظهور الإعلامي، والبقاء في ذاكرة المكان والزمان، وهذا حق من حقوقه، فهو بشر، فمن حقه أن يعيش داخل دائرة الضوء دائماً.

قلت وقال غيري لأبي الشيماء إن الصالون بحاجة إلى أفكار حول تغيير تنظيم الصالون على المدى البعيد. ولكن تغافل أو تجاهل أبو الشيماء ما قيل له وهو يعرف جيداً أن هناك بالفعل.. (فقاعات).. هائلة قد تنفجر ضد الصالون في أي لحظة. فلا بد من العودة إلى

.. (التقويم).. الحقيقي للصالون. على أية حال يمكننا أن نعتبر أن.. (الرأي الآخر).. قد يكون المنقذ بشكل جزئي، وعلينا أن نتطلع إلى فهمه لأزمة الصالون الحالية.

بقي أن أقول إنني حاولت، وحاولت، وحاولت جاهداً أن أعمل على خنق الحقيقة حتى تنطق، ولكنها نطقت بالقليل، والقليل جداً، واحتقنت بالكثير والكثير الذي يصعب استخراجه حالياً. فخوفت وخشيت أن أمارس المزيد من الخنق فتموت الحقيقة، وأنا لا أسعى لذلك، فأريدها باقية وحية حتى أكتبها مع مرور الزمن.

والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.